“ذا اتلانتيك”: واشنطن أمام هزيمة تاريخية في الشرق الاوسط .. والعالم يشهد انتقالاً الى ما بعد الهيمنة الاميركية
كشف الصحافي الاميركي روبرت كاغان في تقرير نشرته مجلة “ذا اتلانتيك” إن واشنطن تقف أمام احتمال خسارة تاريخية قد تغيّر توازنات الشرق الأوسط والعالم، بعدما فشلت، رغم 37 يومًا من الحرب المكثفة إلى جانب إسرائيل، في إسقاط النظام الإيراني أو انتزاع أي تنازل منه.
ويرى كاغان أن “ما تواجهه الولايات المتحدة اليوم يختلف جذريًا عن إخفاقات سابقة في فيتنام أو أفغانستان أو حتى العراق، لأن تداعيات هذه المواجهة تمسّ أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي: مضيق هرمز. فإيران، وفق التقرير، خرجت من الحرب وهي أكثر قدرة على فرض نفوذها على حركة الطاقة العالمية، ما يمنحها ورقة ضغط تتجاوز حتى مشروعها النووي”.
ويشير الصحافي في تقريره الى ان الولايات المتحدة وإسرائيل تمكنتا خلال 37 يومًا من “تدمير الجزء الأكبر من القدرات العسكرية الإيرانية وقتل عدد كبير من القيادات، إلا أن ذلك لم يؤدِّ إلى انهيار النظام أو دفعه لتقديم أي تنازل. وان إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تراهن حاليًا على الحصار الاقتصادي وإغلاق الموانئ الإيرانية لتحقيق ما فشل العمل العسكري في فرضه”، غير أن هذا الخيار بحسب رؤية الكاتب، “لا ينفع مع نظام صمد أمام 5 أسابيع من القصف المتواصل، وبالتالي هو لن ينهار بسهولة تحت الضغط الاقتصادي وحده”.
وفي المقابل يستخف الكاتب ببعض مؤيدي الحرب الذين يدعون إلى استئناف الضربات العسكرية، ويسألهم : “ماذا يمكن أن تحقق جولة قصف جديدة ما لم تحققه 37 يومًا من الحرب”؟ مشيراً إلى أن “أي تصعيد إضافي سيقود حتمًا إلى رد إيراني على دول الخليج ومنشآت النفط والغاز، وهو ما تخشاه واشنطن بشدة”.
ويعتبر التقرير أن “نقطة التحول الأساسية حصلت في 18 آذار، عندما قصفت إسرائيل حقل “ساوث بارس” الإيراني للغاز، فردّت طهران باستهداف مدينة راس لفان الصناعية في قطر، أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي في العالم، ما تسبب بأضرار ستحتاج سنوات لإصلاحها. وبعد هذا الهجوم، أعلن ترامب وقفًا للهجمات على منشآت الطاقة الإيرانية ثم وقف إطلاق النار، رغم عدم تقديم إيران أي تنازل”.
ويرى التقرير الاميركي أن “حسابات المخاطر التي دفعت ترامب إلى التراجع ما تزال قائمة، إذ إن إيران، حتى في حال تعرضها لضربات أوسع، قادرة على إطلاق عدد كبير من الصواريخ والطائرات المسيّرة قبل سقوط النظام، ما قد يؤدي إلى شل البنية التحتية النفطية والغازية في الخليج لسنوات، ودفع الاقتصاد العالمي، بما فيه الأميركي، نحو أزمة طويلة”.
وتكشف المجلة العريقة أن “ترامب طلب في الأيام الأخيرة من أجهزة الاستخبارات تقييم سيناريو “إعلان النصر والانسحاب”، وبالتالي فإن الرئيس الأميركي قد يرى في الانسحاب “الخيار الأقل سوءًا” مقارنة بحرب طويلة ومكلفة قد تنتهي أيضًا بالفشل”.
وأطلق الكاتب توصيفاً على ما سماه “شكل الهزيمة الأميركية”، بقوله أن “إيران لن تعود إلى الوضع السابق في مضيق هرمز، بل ستسعى إلى فرض سيطرة دائمة عليه”. ويؤحد على أن “طهران لم تعد تثق بأي اتفاق مع ترامب، خصوصًا بعدما تفاخر، بتنفيذ ما يشبه ضربة بيرل هاربور عبر استهداف القيادة الإيرانية خلال المفاوضات”.
كما يشدد التقرير على أن “إسرائيل ستجد نفسها أمام واقع أكثر تعقيدًا، لأن إيران خرجت من الحرب ليس فقط محافظة على قدراتها النووية المحتملة، بل حائزة أيضًا على سلاح أكثر فعالية، يتمثل بالقدرة على التحكم بأسواق الطاقة العالمية. وبذلك، تستطيع طهران فرض رسوم عبور، أو حتى إبطاء حركة السفن التابعة لدول لا تتوافق مع سياساتها”.
أما فيما يتعلق بالمنطقة، فيتوقع كاغان ان “هذا التحول يحمل دلالات حساسة، حيث سيؤدي تراجع النفوذ الأميركي إلى دفع دول الخليج والدول العربية نحو التفاهم مع إيران بدل مواجهتها”.
وينقل روبرت كاغان عن الباحثين رييل غيريشت وراي تاكيه قولهما إن “اقتصادات الخليج بُنيت تحت مظلة الهيمنة الأميركية، وإذا سقطت هذه المظلة فستجد هذه الدول نفسها مضطرة للذهاب إلى طهران”.
كما يحذر تقرير “ذا اتلانتيك” من “تداعيات عالمية أوسع، إذ إن الحرب أظهرت، أن المخزون العسكري الأميركي بات منخفضًا بشكل خطير بعد أسابيع قليلة من المواجهة، ما يثير تساؤلات لدى حلفاء واشنطن في أوروبا وآسيا بشأن قدرتها على خوض نزاعات كبرى مستقبلًا، سواء في تايوان أو أوروبا”.
ويخلص الصحافي الاميركي في تقريره إلى أن “العالم يشهد تسارعًا في التحول نحو مرحلة ما بعد الهيمنة الأميركية، لأن خسارة واشنطن لنفوذها في الخليج قد تكون مجرد بداية لسلسلة تحولات دولية أكبر يصعب احتواؤها لاحقًا”.