مميزسينما

“تماثيل الوحوش الزجاجية” .. مسرحية فضحت “جهنم التمييز العنصري” بين طبقات البشر

 

 

“الدنيا نيوز” – دانيا يوسف

اعتُبرت مسرحياته من روائع المسرح الأميركي وأصبحت اعماله المسرحية مدارس في فنّ الكتابة للمسرح ولفهم التطوّر التاريخي لحركة المسرح الاميركي. عندما عرضت مسرحيته هذه لأول مرة في شيكاغو عام 1944 نال عليها جائزة “دائرة نقاد نيويورك للدراما” ولفتت الانتباه إليه ليصبح واحدا من أكثر كتاب المسرح في الولايات المتحدة تقديرا.

منذ ذلك الحين قدمت مسرحية “تماثيل الوحوش الزجاجية” لتينيسي وليامز في الكثير من بقاع العالم وفي العديد من اللغات وعلى فترات مختلفة.
ولد تينيسي وليامز عام 1911 وتوفي عام 1983. عانى وليامز من الاكتئاب لسنوات طويلة وتظهر العديد من الشخصيات والأحداث التي وقعت لوليامز في حياته ضمن مسرحياته. تتميز أعمال وليامز بأنها مأساوية في الغالب ضمن قالب أمريكي خاص بزمانه مثل مسرحية “تماثيل الوحوش الزجاجية”. توفي وليامز في نيويورك مخلفا خمس وعشرين مسرحية كاملة وروايتين، ورواية قصيرة، وستين قصة قصيرة، وأكثر من مئة قصيدة، وكتاب سيرة ذاتية واحد.

ومسرحية “تماثيل الوحوش الزجاجية” هي من مسرحيات الذاكرة وتمثل السمات الأساسية لمسرح تينسي وليامز، والتي يسترجع فيها جزءا من حياته وذاكرته في فترة الكساد العظيم الذي عاشته أمريكا ومن خلفها العالم في ذلك الوقت.
مسرحية “تماثيل الوحوش الزجاجية” هي مسرحية درامية تذكارية يرويها أحد أبطالها “توم” ويحكي لنا عن أمه “أماندا” وأخته “لورا” وحياتهما في بيئة متعفنة منحلة من البيئات المحيطة بسان لويس. فالأم “أماندا” امرأة نموذجية لنساء جنوبي الولايات المتحدة حيث نشأت في عالم يقدر النفائس والمقتنيات، ويرى في امتلاكها رمزا من مظاهر العظمة والمجد. أما “لورا” البنت العرجاء، فراحت تدفن نفسها في عالمها الخاص هاربة من الواقع القاسي. وهكذا عاشت برضاها تزاول هوايتها في اقتناء الحيوانات الزجاجية وتأملها، واصبحت في النهاية كقطعة من قطع مجموعاتها الزجاجية هشة رقيقة لا تتحرك من على الرف.
وأما الابن “توم” فهو شاعر يعمل في محل تجاري، وهو شاب يحلم بالتحرر من الحياة الميكانيكية التي يعيشها مع أمه وأخته. وهو مرتبط بهما ومسؤول عنهما لأن أباه هرب وتركهم بلا معيل. ترجوه أمه ذات يوم أن يجد زوجا لأخته “لورا” بيقوم باستدراج أحد أصدقائه واسمه “جيم” تحقيقا لرغبة أمه لعله بذلك يمنح اخته السعادة. وتجد “لورا” في هذا الزائر فتى أحلامها وتتودد اليه متجاوزة خجلها وعقدة النقص الكامنة فيها فتكتشف أنه على علاقة خطبة مع فتاة اخرى. وهكذا تتحطّم آمال الفتاة في حياة جديدة، وآمال الام في تزويج ابنتها وآمال الأخ في تحقيق السعادة لأسرته.
قال وليامز مرة:”إنني افضل الرقة، غير أن القسوة فيما يبدو مقبولة اكثر”. فالفتاة “لورا” التي صيغت شخصيتها من الزجاج الشفاف القابل للكسر ينجح “جيم” في استمالتها عن طريق بعث ذكريات ماضية وتحريك مشاعرها بشتى الطرق ليباغتها بعد ذلك بأنه خاطب. فكانه يهوي بها من على الرف لتتحطّم كما تحطّم وحيد القرن الذي كانت متعلقة به من بين مجموعتها الزجاجية. وتعود “لورا” الى عالمها مع الحيوانات الزجاجية وتدفع الأحداث ب”توم” الشاب الشاعر الى تحطيم أسوار الواقع القاسي الذي أسرته فيه حياته العائلية، ويهرب ليذرع الدنيا العريضة باحثا عن عالمه، عن أحلامه وأوهامه وآماله.
اعتبر هذا العمل غاية في السوداوية والسلبية والمشاعر المضنية فلم يتناوله النقّاد بايجابية كبيرة غير انه كان لافتاً للانتباه بمضمونه الفلسفي العميق وبتصويره للمشاعر المعقدة التي يمتزج فيها الحزن بمشاعر الخوف والذنب. ويصف مجتمعه فيها على انه نوع من “جهنم” يأكل فيها الناس بعضهم بالتمييز العنصري والتمييز في كل أنواعه.

مقالات ذات صلة