القوة بلا قداسة … أزمة أخلاقية

بقلم العميد منذر الايوبي *
لم يكن السجال الذي فُتح مؤخرًا بين الرئيس الاميركي دونالد ترامب وبابا الفاتيكان Leo XVI مجرد اختلاف عابر في المواقف، بل كشف عن فجوة أعمق بين منطقين متباينين في فهم العالم: منطق القوة الذي يختزل السياسة في ميزان المصالح، ومنطق أخلاقي يصرّ على أن الإنسان ليس تفصيلًا في المعادلة، بل أصلها. فليست كل قدرة مبرّرًا للفعل، إذ ما يمكن فعله ليس بالضرورة ما يجب فعله.
في هذا الإطار، لا يمكن فهم التوتر القائم بين المرجعيتين كخلاف شخصي أو سياسي ضيق، بل احتكاك بين نموذجين للحكم. الأول يرى في فائض القوة أداة كافية لفرض الوقائع وصناعة القرار، فيما الثاني يضع حدودًا لهذا الاستخدام، ويُخضعه لمعيار أخلاقي لا يمكن تجاوزه بسهولة.

1- بين البراغماتية والمرجعية الأخلاقية:
فَتْح هذا السجال لم يأتِ من فراغ. فحين تبلغ البراغماتية أقصاها متخطية كل الاعتبارات، تصبح أي مرجعية أخلاقية مستقلة مصدر إرباك، لأنها تذكّر بأن القدرة لا تعني المشروعية… هنا تحديدًا يبدأ التوتر؛ عندما تُسائِل الأخلاق ما تعتبره القوة أمرًا محسومًا.
2- في الشخصية والسياسة سؤال: أين ينتهي الفرد وأين تبدأ المنظومة…؟
في هذا السياق، لا يمكن إغفال العامل الشخصي في سلوك ترامب، حيث تظهر سمات حادّة في خطابه تقوم على المواجهة وكسر الأعراف حينآ والقوانين الدولية أحيانآ أُخَر . غير أن اختزال المشهد في هذه الزاوية وحدها يبقى قاصرًا، لأن الشخصية، مهما بلغت حدّتها، تفسّر أسلوب التعبير لا جوهر القرار.
في الخلفية؛ من الواضح ان ترامب يتحرك ضمن نهج سياسي واضح يقوم على أولوية المصالح المباشرة، والتشكيك بالمقاربات الأخلاقية إن تعارضت مع مصلحة الولايات المتحدة او قد تؤثر على نسبة مؤيديه وحزبه الجمهوري وطبعآ اللوبي اليهودي …
من هنا، فإن التشنج أو الإرباك لا يعكس فقط طباعًا فردية، بل يكشف عن مقاربة سياسية تعتبر أن المرجعيات الأخلاقية او الروحية العابرة للحدود تشكّل ضغطًا على حرية القرار، لا عنصرًا مكمّلًا له. لذا فإن الاشتباك معها يصبح تلقائيآ، وفي بعض الأحيان، جزءًا من إدارة الصراع لا خروجًا عنه.
لكن هذا لا ينفي ايضآ ان تلاقي السمات الشخصية الحادّة مع موقع قوة قوة واسع يضاعف الأثر. وحين تجتمع نزعة السلطة مع قدرة كبيرة على التأثير، يرتفع منسوب التعنت في الخطاب وتنخفض نسبة العقلانية والعدالة في آن، سيما إن تراجعت الضوابط الكابحة لإنفلاتها. مع ذلك، تبقى هذه العوامل محكومة بقيود واقعية—مؤسساتية ودولية— لكنها أضعف من منع تحول القرار انعكاسآ مباشرآ للرغبة الشخصية.
3- في الدين والسلطة؛ إختلاف البنية لا يعني اختلاف الغاية:
وإذا كانت الديانة الإسلامية تربط الإنسان بالله مباشرة، دون وسيط يمتلك سلطة روحية مُلزمة، فإن المسيحية وتحديدًا في تقليدها الكاثوليكي تقوم على بنية كنسية تُنظّم العلاقة الروحية وتمنحها إطارًا جماعيًا. في هذا السياق، يحتل البابا موقعًا متقدمًا بوصفه رأس هذه البنية، وخليفةً رمزيًا للقديس بطرس، ما يمنحه دورًا مرجعيًا عالميآ في الإرشاد والتعليم، دون أن يعني ذلك امتلاكه سلطة إلهية مطلقة أو كونه وكيلًا عن الله بالمعنى الحرفي.
هنا تحديدًا تكمن خصوصية وجوهر موقعه، فهو لا يملك قوة مادية، لكنه يمتلك صفة روحية قادرة على التأثير في الوعي العام، وعلى مساءلة السلطة من خارج منطقها. لذا، فإن حضوره في النقاش العام لا يأتي بوصفه طرفًا سياسيًا تقليديًا، بل كصوت أخلاقي يضع حدودًا لما يمكن أن تفعله القوة دون أن تفقد مشروعيتها.
عند هذا الحد، يظهر تمايز جوهري بين نوعين من السلطة: سلطة مدنية تقوم على إدارة المصالح وتنظيم القوة، وسلطة دينية تستمد مشروعيتها من التأثير في الضمير والمعنى. الأولى تقيس النجاح بمدى تحقيق الغاية من الفعل والإنجاز، فيما الثانية تقيسه بقدرتها على توجيه هذا الفعل مَنْع إنحراف، كما تمنحه بُعدًا أخلاقيًا.
على هذه الخلفية، لا تتطابق السلطتان، ولا يُفترض بهما ذلك، لكن الإشكالية تبدأ حين تحاول إحداهما إلغاء الأخرى؛ فالقوة حين تتحرر من أي قيد أخلاقي تفقد توازنها، فيما الأخلاق حين تنفصل تمامًا عن الواقع تفقد تأثيرها. وبين هذا وذاك، يتحدد مجال التوتر ومجال التكامل الممكن أيضًا.
4- في ردّ البابا؛ رقي احتواء لا سلبية مواجهة:
لا يبدو ردّ صاحب القداسة انجرارًا إلى سجال، بقدر ما هو إعادة ضبط إيقاعه. فهو لا يواجه القوة الطاغية بلغتها، بل يرقى بها إلى مستوى آخر، حيث تصبح الأخلاق والمُثُل معيارًا لا طرفًا في النزاع. بذلك، لا يمارس انسحابًا بقدر ما يمارس نوعًا مختلفًا من الحضور… حضور يُقيّد الصدام دون أن ينفيه، ويحتوي التوتر دون أن يستسلم له.
5- في حدود القوة سؤال: اين تفشل الهيمنة…؟
المشكلة، إذًا، لا تكمن في القوة بحد ذاتها، بل في إعتقاد كفايتها وكفاءتها لإنتاج الحق. قد تنجح في إدارة الصراع، لكنها نادرًا ما تنجح في إنهائه. تستطيع فرض أمر واقع، لكنها لا تضمن استمراره، وتستطيع إسكات الاعتراض، لكنها لا تخلق اقتناعًا. ومع الوقت، يتحول ما فُرض بالقوة عبئآ يحتاج مزيدآ من الشدة والصلابة لحمايته.
من هنا، تظهر حدود هذا المنطق بوضوح أكبر، فالسلطة وإن طغت تضبط الإيقاع، لكنها لا تعالج الأسباب. وكلما غابت المظلة الأخلاقية، ازداد احتمال أن تنقلب من عنصر استقرار إلى مصدر قلق دائم.
6- في مركزية القيادة؛ شواهد من التاريخ:
في التاريخ الأبعد، لا تبدو مركزية القائد ظاهرة جديدة. فقد جَسّد، لويس الرابع عشر نموذج الحاكم الذي صاغ السلطة في صورته، حتى بات حضوره جزءًا من بنية الدولة نفسها. غير أن استدعاء هذا المثال لا يهدف إلى المقارنة، بل إلى التذكير بأن تضخيم دور الفرد في الحكم ليس طارئًا، بل نمط يتكرر بأشكال مختلفة تبعًا للسياق.
7- الخلاصة: القضية أزمة معيار لا أزمة صراع:
على ما تَقدم؛ وعند هذا التقاطع تحديدآ ، تتضح طبيعة الأزمة، هي في جوهرها، ليست صراعًا بين طرفين بقدر ما هي صراع على المعيار والمبدأ. ومن البديهي ان شرعية الحُكم لا تُبنى على السيطرة وحدها، بل على القبول أيضًا.
في المحصلة، اثبتت التجارب ان لا إستقرار لأي نظام أو سياسة حُكم إن قامت على التسلط او القوة وحدها. يُظهر التاريخ أن ما لا يستند إلى حد أدنى من القبول الأخلاقي يبقى هشًا، مهما بدا صلبًا في لحظته. وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك القوة، بل في كيفية تقييدها وإدارتها او التصرف بها، وفي القدرة على استخدامها دون أن تفقد معناها أو تتحول نَقيض ما تدّعي حمايته.
——————————————-
*عميد متقاعد؛ متخصص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية