من سجلات الحريمة

الشرطة القضائية ومكافحة الاتجار بالأطفال

 

بقلم : العميد أنور يحيى*

تعتمد الشرطة القضائية في لبنان أساليب متعددة لجمع المعلومات والأدلة بنطاق عملها  كضابطة عدلية متخصصة بمكافحة الجرائم المرتكبة،وجمع أدلتها وكشف فاعليها وتوقيفهم وأيداعهم النيابة العامة المختصة تمهيدا لصدور الأحكام الجزائية المناسبة بحقهم .

.من هذه الأساليب الأستقصائية،التعامل مع المخبرين الذين يتعاطون معها لقاء مبالغ شهرية أو عند تقديمهم معلومات مفيدة للتحقيق الغامض.

صيف العام 2008 ،وبعد أن أزدادات نسبة سرقة وسلب السيارات في لبنان ونقل بعضها الى البقاع بغية أعادتها الى أصحابها لقاء مبالغ مالية، تركز عمل مكتب مكافحة سرقة السيارات في الشرطة القضائية على الجهد الأمني بالأستقصاءوالتحري ،عبر المخبرين الصادقين،للتعرف الى عصابات السلب والسرقة وتوقيفهم بأقل أستخدام للسلاح ،بأعتبار أن مهام الشرطة القضائية،  توقيف المجرمين والمطلوبين وأيداعهم القضاء ،وليس تنفيذ حكم الأعدام بهم.

تقدم أحد المخبرين العاملين ضمن الشرطة القضائية من المقدم فؤاد الخوري ،رئيس المكتب،بمعلومات حول وجود عصابة للأتجار بالأطفال ما بين الهرمل وبيروت وحيث يتم أستغلال ضيق يد البعض للحصول على الأطفال وبيعها في الأشرفية لقاء مبالغ مالية عالية وحيث يشارك أحد أطباء مستشفى الهرمل الحكومي وأحد الممرضين بذلك.

تقدم المقدم الخوري من قائد الشرطة القضائية،العميد أنور يحي،وأطلعه على الأستخبارات الدقيقة والتي هي خارج أختصاص المكتب،وبرفقة المخبر ليتم أستجوابه منه شخصيا للتحقق من جدية المعلومات،وبعد ذلك،كلف القائد مفرزة بعلبك القضائية متابعة ذلك بأشراف النيابة العامة الأستئنافية في البقاع..

تابع المخبر العامل في مستشفى الهرمل الحكومي،تحرياته التي أكدت أقدام الطبيب النسائي طوني،لأكثر من عملية ولادة لسيدات على نفقة وزارة الصحة،على أن يسجل في السجلات القانونية،بأنها عمليات لا علاقة لها بالولادة.وأخرها كان في اليوم الفائت،حيث أجرى ولادة لفتاة من عرسال ،حملت من أبن عمها،والذي يرفض أهلها زواجها منه،لعدم أمكانياته المالية،وولدت طفلا تسلمه الممرض سعيد،وسينقله صباح الغد بسيارته الخاصة ،برفقة زوجته ،الى العازارية،الأشرفية ويسلمه الى أحد الراهبات لقاء مبلغ خمسة الأف دولارا أميركيا ،يسلم منها الف دولار الى والدة الطفل ويتقاضى الطبيب حصته والباقي الى سعيد.

وأفق المدعي العام في البقاع القاضي كلاس،على ضبط الطفل والتحقيق مع سعيد والطبيب والأم الحقيقة له وأعلامه تباعا بتفاصيل القضية.

في اليوم التالي،أوقفت دورية مشتركة من مكتب السرقات ومفرزة بعلبك القضائية،في محلة حوش سنيد ،البقاع،  سيارة مرسيدس خصوصية وبداخلها الممرض سعيدوزوجته هيام،وطفلا حديث الولادة في حضنها ،وأقتدوهم الى منفرزة بعلبك القضائية،حيث باشر رجال التحري التحقيق مع الزوجين وتبين ما يأتي:

ترتبط مي بعلاقة غرامية بأبن عمها هلال،الذي يعمل مزارعا ،والذي ينوي الزواج منها لكن ظروفه المالية صعبة،ويرفض أهلها مشروع زواجها.عاشرها كزوجة، وحملت منه طفلا وكان الدكتور طوني ،طبيب نسائي في مستشفى الهرمل الحكومي،يعاينها مجانا،بوساطة الممرض سعيد،الذي أتفق معها على تكليف طبيب لولادتها ،شرط تسليمه الطفل لقاء قبض مبلغ ألف دولار أميركي أذا ولد حيا!!

أستحضرت مي،وأعترفت أنها حملت من حبيبها هلال ،أبن عمها،برضاها،  دون أي عقد زواج، ،وكانت توهم أمها بأن أنتفاخ بطنها نتيجة كيس مياه متضخم وسيتم أستأصاله عبر الطبيب قريبا..وتعرفت الى الممرض سعيد في المستشفى،وعرض عليها متابعة الكشف الدوري وأتمام عملية الولادة مجانا شرط تسليمه الطفل ،الذي سيسبب لها أحراجا ضمن عائلتها المحافظة،لاسيما وان عقلية اهل المجتمع الزراعي هناك ،لا تسمح بولادة خارج عقد الزواج القانوني،وسيكون نصيبها من تسليمه الطفل مبلغ ألف دولارا أميركيا.،وبالفعل ولدت طفلا في اليوم الفائت وخرجت في اليوم التالي بعد تسليم الطفل الى سعيد،وتنتظر مبلغ الألف دولارا أميركيا؟؟.

أستدعي الطبيب طوني الى مفرزة بعلبك القضائية،وخضع لأستجواب دقيق وأقر بأنه عاين مي أثناء فترة حملها  وقام بعملية الولادة المجانية،وهو يجهل بالتمام تفاصيل القضية،وما يقوم به ممرضه ،سعيد، وكيف ينقل الطفل الى بيروت،وما يرافق تدوين نوع العملية في السجلات الرسمية للمستشفى،وينحصر دوره بالشق التقني والطبي فقط.

توجه قائد الشرطة القضائية وبرفقة العقيد محمود أبراهيم،رئيس قسم المباحث الأقليمية،الى مفرزة بعلبك القضائية،وتابعا الأجراءاءت الميدانية والتحقيقية هناك،وأجريت أختبارات  الحامض النووي،DNA على الطفل ومي وهلال وتبين صحة النسب،وأعترف هلال بما يقوم به من علاقات جنسية مع درة وبرضاها،وبتشجيع من الممرض سعيد..وأنه ينوي الزواج منها فورا.

أتصلنا بالنائب العام الأستئنافي في البقاع ،الأستاذ كلاس،وأقترحنا تسليم الطفل الى والدته ،على أن نستحضر شيخا لأجراء عقد الزواج  القانوني بين هلال ومي ونقدم لهما بعض الأموال كمساعدة،فوافق وأشار بتوقيف الطبيب المعالج وأعلام نقابة الأطباء،وتوقيف سعيد وزوجته،بعدما تبين أقدامهما على نقل خمسة أطفال سابقا،تمت ولادتهم في المستشفى،الى رأهبات العازارية في الأشرفية وقبض مبلغ خمسة الأف دولار عن كل طفل.

حضر الشيخ جعفر الى مفرزة بعلبك القضائية،وأجرى عقدالزواج،وكان شهود العقد ،عناصر التحري، وأستدعينا أهل مي وأهل هلال وباركوا عقد الزواج شاكرين تدخل التحري والنيابة العامة بأنهاء القضية وأكل الجميع الحلوى بأتمام مراسم العقد.

حضرت راهبتان من العازارية ،الأشرفية،وأعترفتا بانهن تسلمن من سعيد خمسة أطفال سابقا وكان يوهمهن،بأنه عثر عليهم أمام طوارىء مستشفى الهرمل الحكومي،فيتسلمن الطفل ويقدمن مساعدة مالية الى الأم المفترضة والتي يدعي سعيد ،بأنهن من عائلات فقيرة ومستورة،وهن بدورهن يسلمنه الى عائلة مسيحية،سجلت حاجتها الى طفل سليم وبصحة جيدة للتبني،نظرا لعدم تمكن الزوجين من الأنجاب.خلال سنوات.

تركت الراهبتان بسند أقامة من قبل النائب العام الأستئنافي ،أضافة الى مي وهلال،الذين تزوجا على سنة الله ورسوله في مبنى مفروة بعلبك القضائية، فيما تم توقيف الطبيب وسعيد وزوجته بجرم الأتجار بالبشر وأودعو النيابة العامة الأستئنافية في زحلة .

أودعنا نقابة الأطباء نسخة عن المحضر المنظم وفقا لأشارة النيابة العامة،وأتصلنا بوزير الصحة وأطلعناه على المغايرات في المستشفى الحكومي،فوعد بأجراء التحقيق فورا للمعاجة وفقا للأصول!!

أن مهام الشرطة القضائية ليست مقتصرة على الأجراءات البوليسية الجزائية والتحقيقية فقط  ،ضمن عملها كضابطة عدلية متخصصة بمكافحة الجرائم،لاسيما النوعية منها جرائم :المخدرات،تبييض الأموال،المعلوماتية،الأتجار بالبشر،العنف الأسري،الأغتصاب وغيرها،بل يهدف الى كشف الحقائق وبيان الأدلة وعرضها أمام النيابة العامة المختصة،التي تسعى لأحقاق الحق،والمحافظة على السلم الأهلي،ومنع حوادث ثأر وأنتقام بين الناس، تعاونها الشرطة القضائية بجدارة عالية،وتسعى الى كشف الحقيقة،كل الحقيقة.

أن نشر الوعي بين فئات المجتمع المتعدد المفاهيم،هو ضرورة ،لاسيما مع أنتشار الأنترنت والهاتف الخليوي،وما يسري في المجتمعات الزراعية يختلف عن حياة المدينة حيث الأختلاط بين الجنسين أضحى حقيقة،وأنتهى نظام المدارس الخاصة بالصبيان،أو الخاصة بالبنات،الى مفهوم المدرسة المختلطة،وأضحت النساء تسابق الرجال لتولي أرفع المراكز الحكومية،العسكرية،الأمنية والبرلمانية.

أن مستقبل الأمن في لبنان،وكما حدده اللواء.فؤاد شهاب،رئيس الجمهورية اللبنانية(1958-1964)،بكلامه أمام قائد الجيش،ومدير قوى  الأمن الداخلي ورئيس الشعبة الثانية عام 1961:

“يجب على الدولة اللبنانية أن تتحول من المفهوم الأمني والبوليسي الى دولة الرعاية لأحقاق العدالة الأجتماعية ودمج المناطق والفئات الأجتماعية الفقيرة في المجتمع اللبناني الشامل وفي ركب دولة حقوق الأنسان والحرياتوالمواطنية الشفافة.”

هل حققت الدولة  هذه الشعارات التي طرحت منذ حوالي 60 عاما ؟؟

* قائد الشرطة القضائية السابق.

2-2-2020.