هوامش على دفتر الحرب (6)

خاص – “أحبار الدنيا”

 

بقلم : دانيا يوسف*

اغتيال أماكن تاريخية وأثرية

امتدت يد الغدر الاسرائيلية إلى دار الراحل الحاج عبدالله حمدان الواقعة على تلّة حيّ ”الثغرة“ قرب مسجد بلدة حاروف في قضاء النبطيّة شمال الليطاني. تلك الدار دمّرها العدو بغارة من طيرانه الحربي صبيحة الثلاثاء خلال الـرابع والعشرين من شهر آذار الماضي.
شيّد هذه الدار المرحوم الحاج عبد الله أحمد حمدان العام 1930، وقد استقبل صاحبها فيها المرجع الشيعيّ الإمام موسى الصدر. وضمّت كثيرا من أمسيات الشعر في حاروف وأبرز وجوهها الشاعر محمّد علي الحوماني والشاعر الزجليّ عبد الجليل وهبي والشاعر عبّاس حرقوص والشاعر محمّد شاهين. كذلك أقيمت فيها أعراس زواج معظم أبناء عائلة حمدان في البلدة.
ودمّرت اسرائيل أيضا منزلاً أكبر منها بقرن… إنه منزل آل الزيات التراثي، الذي يعود بناؤه إلى القرن التاسع عشر، كان قائماً قبل أن تولد دولة الاحتـ/ـلال بأكثر من مئة عام. تحفة معمارية نادرة بقناطره العتيقة، وحجره الرملي، وعقوده الداخلية، وحديقته الواسعة التي احتضنت الأشجار والزهور جيلاً بعد جيل. وعلى مدخله كانت تقف شامخة أكبر شجرة ياسمين معمّرة في مدينة صور، تنشر عبيرها منذ نحو نصف قرن، حتى جاء القصف فأسكت عطرها إلى الأبد.
هذا المنزل، المحاذي لقطاع آثار مدينة صور والمطل على أحد أهم المواقع المصنّفة ضمن التراث الإنساني المحمي بالاتفاقات الدولية، لم يكن ملكاً لعائلة فحسب، بل كان جزءاً من هوية صور العمرانية والثقافية، ومن أجمل بيوتها موقعاً وجمالاً وقيمةً تاريخية.
وقد شهدت العديد من المواقع الثقافية والتاريخية في لبنان أضراراً جسيمة نتيجة حرب عام 2024 والحرب التي تلتها، ولا سيما في جنوب لبنان ومنطقة البقاع، حيث طالت الاعتداءات القلاع التاريخية والمواقع الأثرية والمعالم الدينية والأسواق والمباني التراثية.
وتعرّضت عدة قلاع ومعالم تاريخية لأضرار مباشرة، أبرزها قلعة دوبيه التراثية التي جُرفت أجزاء من أسوارها، وقلعة تبنين التي دُمّر قسم من أسوارها خلال حرب عام 2024، كما تضررت قلعة ميس في بلدة أنصار.
بالإضافة إلى قلعة الشقيف الاستراتيجية التي أصابتها أضرار كبيرة خلال الحرب الحالية نتيجة الاستهدافات الإسرائيلية المباشرة لها في محاولة لاحتلالها.
وفي مدينة صور، تعرّضت المواقع الرومانية والفينيقية لغارات قريبة، ولا سيما في منطقة الملعب الروماني والبص، ما ألحق أضراراً بالمواقع الأثرية التي تعود إلى حقب تاريخية تمتد من نحو 5000 عام قبل الميلاد حتى القرن التاسع عشر.
وفي البقاع، تعرّض محيط قلعة بعلبك الأثرية، المدرجة على لائحة التراث العالمي لليونسكو، لقصف عنيف على مسافة تراوحت بين 500 و700 متر، ما تسبب بأضرار في الموقع. كما سُجلت أضرار جسيمة في “قبة دورس” الأثرية عند مدخل مدينة بعلبك. كما استهدفت الغارات أجزاء من منطقة “ثكنة غورو” التاريخية في بعلبك.

 

وطالت الأضرار الناجمة عن الاعتداءات الإسرائيلية عدداً من المعالم الدينية التاريخية أيضاً، من بينها دير ومدرسة راهبات المخلّصيات في يارون وكنيسة في دردغيا، إضافة إلى مقام النبي شمعون الصفا الذي تعرّض للتجريف الكامل مع جزء من أسوار قلعة شمع التاريخية.
ويعود المقام إلى عام 1079 ميلادي، ويضم ضريحاً يُعتقد أنه يعود إلى القديس بطرس، المعروف في التقاليد الإسلامية باسم شمعون الصفا. كما تضرر مقام النبي بنيامين في محيبيب الذي يعود تاريخ بنائه إلى أكثر من ألفي عام، وكان قد تعرّض عام 1948 لسرقة صخرة أثرية تحمل كتابة باللغة العبرية.
ولم تسلم الأسواق التاريخية والمباني التراثية من الاعتداءات أيضاً، وأبرزها السوق التاريخي في مدينة النبطية الذي يعود إلى العصر المملوكي (1250–1517)، وسوق بنت جبيل العريق الذي يعود إلى القرن السابع عشر ويعكس تاريخاً غنياً بالحياة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.
كما لحقت أضرار بمبانٍ تاريخية وعثمانية في مدينة بعلبك، من بينها تدمير “مبنى المنشية” التاريخي، وتضرر “أوتيل بالميرا” العريق وتصدّع أعمدته. كذلك دُمّرت منازل أثرية، ليس آخرها منزل يتجاوز عمره مئة عام في حي عين العروس في النبطية الفوقا.
وإذا كانت المنازل أو الأماكن التاريخية والأثرية التي ذكرتها محفورة في ذاكرة أبنائها،فإن أي مكان مهما كان بسيطا يشكّل أهمية خاصة لدى صاحبه.أذكر حديثا دار بيني وبين قريبتي وصفت لي فيه بالتفصيل عن أنواع الشجر والمزروعات والتي حرصت هي وزوجها على مدى أكثر من خمسة عشر عاما على غرسها والاهتمام بها ومراقبتها بنور العينين ليجدوا أن اسرائيل لم تدمر منزلهم فحسب بل أحرقت كل اللون الاخضر المحيط به وحولته إلى سواد…وإذا كان العدو يمتهن اغتيال الفرح،فهل يعلم أي شعب يواجه؟

(في الهوامش غدا:من قصص النزوح)

——————————————-

* رئيسة القسم الثقافي في موقع “الدنيا نيوز”.