نشتاق إلى الذين كانوا… لا إلى ما كان، لذلك نقول “رزق الله على أيام زمان”
خاص – “أخبار الدنيا”
بقلم أ.د.م. تيسير عبَّاس حميَّة
حين يقول الناس: “رزق الله على أيام زمان”، فهم لا يحنّون غالبًا إلى الفقر، ولا إلى التعب، ولا إلى قسوة الأيام التي كانت تسرق من أعمارهم ساعات طويلة في سبيل لقمة العيش. إنهم يحنّون إلى شيء أعمق من ذلك بكثير؛ يحنّون إلى أنفسهم التي تركوها هناك، عند مفترق طريق بعيد من العمر.
يحنّ الإنسان إلى بيتٍ كان سقفه متواضعًا، لكنه كان عامرًا بالوجوه التي أحبها. يحنّ إلى مائدة ربما لم تكن مليئة بالطعام، لكنها كانت مزدحمة بالضحكات. يحنّ إلى أمٍ كانت تفتح له الباب، وإلى أبٍ كان حضوره يملأ المكان هيبةً وأمانًا، وإلى أصدقاء فرّقتهم الطرق وبقيت أصواتهم عالقة في الذاكرة كأغنية قديمة لا تشيخ.
الماضي يشبه نافذة صغيرة يطل منها القلب كلما أثقله الحاضر. لا يرى منها الجراح كاملة، ولا يتذكر ليالي القلق كلها، بل يختار بعفوية تلك التفاصيل الدافئة التي نجت من زحام السنين. ولذلك قد يبكي الإنسان شوقًا إلى أيام كان يشكو منها حين كان يعيشها، لأن الألم نفسه يصبح مع الزمن جزءًا من حكاية جميلة، وجزءًا من هوية صنعت شخصيته.
كم من رجل يتذكر طريقًا ترابيًا كان يسلكه كل صباح، فيبتسم رغم أنه كان يتعب فيه. وكم من امرأة تتذكر بيتًا صغيرًا ضاق بأحلامها يومًا، ثم تشتاق إليه بعد سنوات وكأنه قصر من قصور الذكريات. ليست الأماكن هي التي تسكن قلوبنا، بل الأرواح التي عاشت فيها، واللحظات التي مرّت عبرها ثم رحلت دون أن نستأذنها بالبقاء.
لكن الحكمة تقتضي ألا يتحول الحنين إلى إقامة دائمة في الماضي. فالله سبحانه وتعالى الذي منحنا تلك الأيام هو نفسه الذي منحنا هذا اليوم. والذي رزق آباءنا الصبر على مشقة الحياة، رزقنا نحن نعمًا لم يكونوا يحلمون بها. لقد فتح الله للإنسان أبواب العلم، ويسّر وسائل العلاج، وقرّب المسافات، ووفّر من أسباب الراحة ما كان يُعدّ ضربًا من الخيال في الأزمنة السابقة.
فكم من مرض كان يحصد الأرواح وأصبح اليوم يُعالج في أيام قليلة. وكم من رحلة كانت تستغرق شهورًا فأصبحت تُقطع في ساعات. وكم من علم كان الوصول إليه يحتاج إلى أعمار من البحث فأصبح بين يدي الإنسان بضغطة زر. وهذه كلها نعم عظيمة تستوجب الحمد والشكر.
إن أجمل موقف يمكن أن يتخذه الإنسان هو أن يزور الماضي بقلب المحب، لا بقلب الأسير؛ أن يتذكره بحنان، ويترحم على أيامه وأهله، ثم يعود إلى حاضره ممتنًا. فالحنين جميل حين يعلّمنا الوفاء، لكنه يصبح ظلمًا لأنفسنا حين يجعلنا نغفل عن نعم الله التي بين أيدينا.
فلنقل للماضي: شكرًا لأنك صنعت ذكرياتنا. ولنقل للحاضر: شكرًا لأنك تحمل نعمًا لم ندرك قيمتها بعد. ولنرفع أكفّ الحمد إلى الله تعالى الذي جمع لنا بين دفء الذكريات ونعمة الحياة، وبين جمال الأمس وفرص اليوم وآمال الغد.
فالمؤمن لا يكره ماضيه وإن كان شاقًا، ولا يجحد حاضره وإن اعتاده، بل يعيش بين ذكرىٍ يشكرها، ونعمةٍ يحمد الله عليها، وأملٍ يرجو من الله أن يتمّه عليه.
“وسقى الله تلك الأيام”.
—————————————
أ.د.م. تيسير عبَّاس حميَّة