هوامش على دفتر الحرب (٢)

 

خاص – “أخبار الدنيا”

 

بقلم : دانيا يوسف*

يوميات النزوح

اعتاد أهل الجنوب اللبناني التكيّف مع ظروف الحروب والتهجير ولهم مع العدو الاسرائيلي صولات وجولات وثأر لا ينتهي.
لكن ظروف هذه الحرب مختلفة على كافة المستويات خاصة أن أهل القرى الأمامية بالتحديد تركوا بيوتهم منذ تشرين الأول عام ٢٠٢٣ لتبدأ رحلتهم المستمرة حتى اليوم مع النزوح أو إذا صح التعبير مع “النزوحات” وفقدان البيوت تباعا سواء في قراهم أو المنازل التي استأجروها وفقدوها لاحقا.
ولا تتسع الهوامش لقصصهم ولعلّ القاسم المشترك بينها جميعا هو جشع وطمع أصحاب الشقق الذين يخلعون ضمائرهم ويرتدون أثواب الدهاء والمكر واستغلال وجع الناس وحاجتهم ليكونوا عونا للعدو ضدهم بدل دعمهم ومساندتهم.
وإذا أردت أن أكون منصفة وموضوعية،هؤلاء النازحون الذين يحملون بيوتهم وذكرياتهم وهمومهم على أكتافهم أينما حلّوا،كان البعض منهم عرضة لكافة وسائل الضغط النفسي وأحيانا الذل خاصة ممن اضطروا للجوء إلى أقاربهم أو معارفهم بسبب ضيق الوضع المادي او نتيجة عدم العثور على منزل مناسب.
في المقابل،كانت هناك مبادرات أكثر من رائعة سواء من أفراد أو مناطق أو بلديات وجمعيات ومتطوعين حاولوا قدر الامكان توفير ما أمكنهم من متطلبات هؤلاء الناس الذين كانوا يعيشون في بيوتهم سابقا حياة عزيزة كريمة. ولا أبالغ اذا قلت أنهم أهل العطاء وأهل الضيافة ولا يمكن لمن يزورهم إلا أن يشعر بأنه صاحب البيت ويخرج وهو يحمل معه صرّة الخير بكل ما جادته أرضهم وحقولهم.فكيف حال هؤلاء عندما يشعرون بأنهم ضيوف غير مرحبّ بهم؟تصبح النظرة أحيانا ولو من غير قصد كأنها سهم يخترقهم ويحرّك أوجاعهم.تخبرني قريبتي أنهم اضطروا الى سماع التعليقات السلبية او التلميحات بنكتة كي يستطيعوا الصمود في مكانهم.المضحك المبكي عندما تتلفت هي وشقيقها حولها ويبحثون عن كرامتهم المهدورة جراء كلمة جارحة ويتابعون على أمل أن الفرج قريب.
بدأت بأهل القرى الأمامية الذي استأجروا بيوتا في منطقة صور وضواحيها.بعضهم فقد هذه البيوت مجددا في حرب ال٦٦ يوما وعاد للبحث ثانية عن بدائل.أصحاب الحال الميسورة استأجروا منازل احتياطية في مناطق تصنّف أنها آمنة نوعا ما وانتقلوا اليها فور تدهور الاوضاع الأمنية.كثيرون طُردوا لاحقا من بعض المناطق التي خاف أهلها من وجودهم خوفا على أمنهم وأمن بلداتهم.
عاد العديد من أصحاب النفوس الأبية إلى قراهم تحت خط النار وخطر الاستشهاد في أي لحظة.لكنهم فضلوا الموت على الهوان والذل ومشاعر “الغير مرغوب بهم” من أبناء وطنهم الواحد.
عائلات أبيدت بكامل أفرادها على مرأى ومسمع من العالم أجمع.لدينا مخزون من الصور والأسماء والأعمار الجميلة التي حصدها العدو الغادر قبل أوانها لا تكفينا مئات السنين للحديث عنها.وسوف أفرد بعض الهوامش لبعض هؤلاء كي لا ننسى ولن ننسى أنهم كانوا مفعمين بالحياة،لديهم أحلام وأهداف ولكن آلة الغدر تهوى اغتيال الضحكة والبراءة والطيبة. على هامش النزوح أيضا تروي لي إحدى السيدات كيف اجتمعوا اكثر من ٣٥ فردا في منزل واحد.بداية عندما كانوا يعدون الطعام،ينهض العديد منهم جائعا بسبب كثرتهم.لذلك اضطروا الى تقسيم أنفسهم إلى ثلاث مجموعات تتولى كل مجموعة منهم دخول المطبخ والطهي وإطعام عائلتها والجلي والخروج لتدخل المجموعة الثانية وهكذا…

(غدا:تابع يوميات النزوح)

———————————————
رئيسة القسم الثقافي في موقع “أخبار الدنيا”