من المحراب إلى المتراس … مأتم الثقافة

 

خاص – “الدنيا نيوز”

 

 

بقلم : الدكتورة ميرنا داود*

حين تفقد الثقافة براءتها، تخلع ثوب الحوار وترتدي درع المواجهة.

لم تعد نبعاً يسقي العقول، بل خندقاً تُطلق منه الأحكام. تصير الكلمة رصاصة، والكتاب متراساً، والفكرة سلاحاً يُشهر في وجه الآخر لا جسراً يُعبر إليه.

الثقافة في أصلها وعدٌ باللقاء. هي أن نرى العالم بعيونٍ غير عيوننا، وأن نصغي لصوتٍ لا يشبه صدى حناجرنا. لكنها حين تنتقل من المحراب إلى المتراس، تموت فيها “المسافة الجمالية” التي تحفظ للاختلاف وقاره. يصبح المختلف عدواً، ويصبح الاختلاف خيانة، وتصبح الحقيقة ملكية خاصة تُدافع عنها الكراهية لا البرهان.

في زمن الصراع الثقافي، لا يُقتل الجسد بل المعنى. تُغتال الدلالات، وتُصادر التأويلات، ويُحاكم السؤال بتهمة الشك. يرتفع ضجيج الهويات حتى يختنق المعنى، وتُختزل الحضارات إلى شعارات، والتراث إلى سياج، والفكر إلى تهمة.

المفارقة المُرّة: أن الثقافة التي وُلدت لتجعلنا بشراً، هي ذاتها التي تُستخدم أحياناً لتبرير تجريدنا من إنسانيتنا. نرفع راية “الأصالة” لنقتل “الآخر”، ونلوّح بـ “الحداثة” لنمحي “الذات”. وبين مطرقة الإنغلاق وسندان الاستلاب، تُسحق الروح.

لكن العزاء في أن الثقافة الحقة لا تموت في ساحات الصراع. هي كالماء، إن حاصرتها، تسرّبت من شقوق الجدران. تظل همساً في قصيدة، وسؤالاً في لوحة، ودهشةً في عين طفل. تنتظر أن يخفت ضجيج المعارك، لتعود سيرتها الأولى: أن تكون محراباً نجلس حوله مختلفين، وننهض عنه أكثر إنسانية.

والأشدّ فتكاً من كل ذلك، أن الثقافة حين تتحول إلى صراع، تفقد شرطها الأول: الدهشة. يموت فيها السؤال البِكر، ويولد مكانه اليقين المتصلّب. لا تعود بحثاً عن الحقيقة، بل حراسةً لما تظنه الحقيقة. تتحول المكتبات إلى معسكرات، والجامعات إلى ثكنات، والمثقف إلى جندي مُعبأ بإجابات جاهزة، يخاف أن يسأل كي لا ينهار المعبد فوق رأسه. وهنا تبدأ الخيانة الكبرى: خيانة الثقافة لذاتها، حين تستبدل لذة الاكتشاف بمتعة الإدانة، وتستبدل عذوبة التكوين بغرور الوصاية على العقول.
الثقافة لا تنتصر حين تُسكت غيرها. تنتصر حين تُنصت.

————————————-

* استاذة جامعية، ورئيسة القسم العلمي والفكري في موقع “الدنيا نيوز”