قراءة في بيان اتفاق التهدئة بعد لقاء واشنطن الدبلوماسي الثلاثي…
خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم العميد منذر الأيوبي*
في المقدمة: بتاريخ 16 أبريل 2026 أعلنت الخارجية الأميركية التوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت بين لبنان وإسرائيل، بوساطة قادَتْها واشنطن عقب محادثات اقتصرت على كلمة وزير الخارجية الاميركي ماركو روبيو مع صورة تجمعه إلى السفيرين اللبناني والاسرائيلي، ذلك في محاولة لاحتواء القتال المستمر بين إسرائيل وحزب الله.
في القراءة: لا يمكن فهم هذا الاتفاق كإجراءٍ ظرفي، بل كوثيقة تُمأسس Institutionalization لمرحلة جديدة تتجاوز الميدان إلى إعادة صياغة العلاقة بين الطرفين. فهو لا يكتفي بوقف النار، بل يفتح مسارًا تفاوضيًا محتملاً، مُدخِلَآ عناصر تمسّ جوهر البنية السياسية والأمنية في لبنان.
— أول اللافت في النص تأكيد ان الطرفين: “ليسا في حالة حرب”- are not in a state of war ،هذه العبارة أثقَلَت الاتفاق بالنكران، ونقلت العلاقة من صراع تاريخي مفتوح بما حمله من دماء ودموع إلى إطار قانوني قابل للإدارة قد يُستثمر لاحقآ، ما يُمهد لمسار تفاوضي طويل.
— في المقابل، يُكرّس النص معادلة أمنية غير متوازنة عبر الإبقاء على “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس” بصيغة أحادية، ما يمنحها هامش تفسير واسع. هنا المشكلة ليست في المبدأ، بل في توظيفه ضمن اتفاق غير متكافئ، يُفرّغ التهدئة من مضمونها.
والأكثر حساسية إدخال ملف السلاح في صُلب الاتفاق، عبر ربط استمرارية التهدئة بحصريته بيد الدولة. هذا الطرح، رغم مشروعيته السيادية، يتحول تحت الضغط العسكري إلى التزام تفاوضي، لا كمسار إصلاحي داخلي، ما يهدد بخلق توترات داخلية متنوعة الألوان بدل تعزيز الاستقرار.
عمليًا، يبقى تنفيذ هذا البند معقّدًا، أقرب إلى أداة ضغط منه إلى تعهُد قابل للتنفيذ الفوري… فحصر السلاح بيد الدولة يصطدم حاليآ بواقع سياسي وأمني متشابك، ويتطلب قبولآ وطنيًا غير متوافر حاليًا… إضافة إلى قدرات لوجستية ميدانية ضرورية للجيش اللبناني تضمن عبورآ تدريجيآ آمنآ إلى الدولة المتماسكة والسلاح الأوحد…
— في هذا السياق، يتعذر التعامل مع مسألة سلاح حزب الله كإستجابة مباشرة لضغط دولي، بل كتحوّل بنيوي يرتبط بمسارين متقاطعين: تفاوض لبناني–إسرائيلي يخفف ذرائع الاشتباك، ومسار أوسع بين واشنطن وطهران يحدّ من توظيف الساحات الإقليمية.
عند هذا التقاطع فقط، يصبح إدماج السلاح ضمن منظومة الدولة طرحًا واقعيًا، مشروطآ بضمانات أمنية وسياسية واقتصادية. مع الإشارة إلى إدراك واشنطن لهذه التعقيدات، لكنها تتعامل معها بتجاهل تكتيكي، عبر إبقاء هذا الملف من أدوات الضغط التفاوضية.
— في المقابل، رغم تحالف حَد التبني، لا يبدو أن الولايات المتحدة تمنح إسرائيل تفويضًا لحسم عسكري شامل، بل تدير توازنًا دقيقًا بين دعم أمنها ومنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة، رغم استمرار العدوان ليبقى خيار التصعيد ضمن حسابات بنيامين نتنياهو.
بالتوازي، يبرز غياب ملفات أساسية كمسألة الانسحاب أو الأسرى، ما يعكس أولوية البعد الأمني على حساب السيادي والإنساني، ويؤكد أن ما صيغّ تم وفق ميزان القوى لا وفق تسوية متوازنة.
— يُضاف إلى ما سبق أن إعلان الاتفاق من قبل واشنطن دون مشاركة لبنانية واضحة في صياغته، يطرح تساؤلات حول طبيعة التوازن في مسار التفاوض. فغالبًا ما تأخذ مثل هذه الترتيبات شكل “نص وسيط مُسبق” (pre-cooked framework)، تتبلور خطوطه العامة خارج طاولة التفاوض المباشر، بالتنسيق مع الطرف الأقوى ميدانيًا، قبل أن يُطرح على الطرف الآخر كإطار شبه جاهز مع هامش تعديل محدود.
— هذا الواقع قد لا يعني غياب الدور اللبناني بالكامل، لكنه حدّ من قدرته على التأثير في بنية النص، ونقل مركز الثقل من مرحلة تفاهمات الصياغة إلى مرحلة إلزاميات التنفيذ، حيث تصبح -(الكيفية) في التطبيق- المساحة الفعلية لإعادة التوازن أو تكريس الاختلال.
أما آليات المتابعة، كـ“اللجان” والميكانيزمات، فمحدودة الفاعلية في غياب إرادة سياسية واضحة، إذ غالبًا ما تتحول إلى أدوات تنظيم للخروقات لا لمنعها، على ما اثبتت التجارب…
— ثم ان لبنان، بدوره، لا يمكن فصله عن الاشتباك الأميركي–الإيراني، لكنه ليس مرآة كاملة له. فالمساران يتقاطعان دون إندماج كلي، ما يجعل أي استقرار محتمل هشًّا ووظيفيًا، مرتبطًا بتوازنات إقليمية قابلة للتبدل.
وفي الداخل، يُسجل غياب الإشارة إلى “المقاومة” في الخطاب الرسمي، ما يعكس توجّهًا لإعادة حصر المعادلة ضمن إطار الدولة. غير أن هذا الخيار، رغم جدواه الخارجية، يطرح تساؤلات شريحة واسعة من اهل البلد حول ماهية وحدود تجاهل عنصر قائم في ميزان القوة .
— ميدانيًا، تكشف الوقائع مفارقة أساسية: فرغم سريان وقف النار، يستمر العدوان تحت عنوان “الدفاع عن النفس”، ما يؤكد أن الاتفاق إطار لإدارة الاشتباك لا إنهائه.
كما أن استمرار وجود قوات إسرائيلية داخل أراضٍ لبنانية يعكس هدنة قائمة على صرير المجنزرات. ومع ذلك، فإن اعتباره مبررًا حاسمًا مبدئيآ وشرعيآ للإبقاء على السلاح يبقى تبسيطًا؛ إذ تتداخل هنا معادلة مزدوجة: الوجود الإسرائيلي يبرر السلاح، والسلاح يبرر استمرار الضغط الإسرائيلي.
وإذا ما ترافق استمرار الخروقات مع تثبيت ما يمكن تسميته بـ“الخط الأصفر” كحدّ جغرافي لانتشار قوات الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية، فإننا نكون أمام انتقال نوعي من خرقٍ عابر إلى إعادة رسم وقائع ميدانية شبه دائمة. فالمسألة لا تَعُد مرتبطة بعمليات موضعية، بل بفرض نطاق انتشار يتحول تدريجيًا مرجعية عملانية تُدار على أساسها قواعد الاشتباك.
عند هذه النقطة، لا يعود الاتفاق إطارًا لضبط التصعيد، بل مظلّة تُستخدم لتكريس واقع جديد دون إعلان رسمي، حيث يُعاد تعريف الحدود الفعلية للعدو تحت غطاء التهدئة نفسها.
— هنا تحديدًا تتبدّل طبيعة المخاطر، من المواجهة الميدانية إلى التآكل التدريجي للسيادة الوطنية. و بغياب ردّ مقابل أو آلية إلزام فعّالة، لا ينهار الاتفاق، بل يُعاد إنتاجه بصورة منحازة، هدف ترسيخ توازن مختلّ يتقدّم خطوة بعد أخرى تحت غطاء السعي للاستقرار.
— في ضوء ذلك، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على سيناريو تمديد الهدنة كنتاج الاجتماع الثاني اليوم الخميس، أو انهيارها نتيجة حادث أمني خطير ولو على صعيد الاقليم يُبدل قواعد الاشتباك ويُبدد قرار المفاوضات المباشرة.
— في بُعدٍ موازٍ، يمكن قراءة المشهد على ضوء التباين بين منطق القوة الذي يحكم السياسات الدولية، والخطاب الأخلاقي الذي يعبّر عنه الفاتيكان، سيما في تباينه مع مقاربات واداء دونالد ترامب. هذا التباين يكشف حدود وحجم التمادي بإستخدام مبدأ الإمبراطور الروماني Hadrian “القوة لأجل السلام” سيما حين تغيب إرادة الحلول العادلة.
— في المقاربة شبه-السياساتية، policy-oriented approach لا يكفي توصيف المخاطر، بل يجب تحويل الاتفاق إلى مسار مضبوط بأدوات تنفيذ ومعايير قياس واضحة. وعليه، يقوم الحدّ من الانزلاق نحو نتائج غير متكافئة على خمسة محاور مترابطة:
1. ربط أي ترتيبات أمنية بجدول زمني واضح لانسحاب القوات الاسرائيلية إلى الحدود الدولية، وفق مبدأ التدرّج والتزامن، بما يعيد تثبيت السيادة تدريجيًا.
2. ربط الأمن بالسيادة (خطوة مقابل خطوة) بمعنى عدم تنفيذ أي بند أمني بمعزل عن مكاسب سيادية مقابلة، بما يمنع تكريس اختلال تدريجي في ميزان الالتزامات.
3. وضع آليات متابعة مُلزِمة وقابلة للقياس عبر تحديد مهَل زمنية ومعايير واضحة للخروقات وربطها بإجراءات مقابلة، للحد من التفسير الانتقائي للنص.
4. مقاربة تدريجية لملف السلاح: الانتقال من ضبط الاستخدام إلى توسيع دور الدولة وصولًا إلى إعادة هيكلة شاملة.
5. تحصين داخلي وتوازن خارجي: عبر تأمين غطاء سياسي وطني وتفعيل الضمانات الدولية لضبط أي تفسير أحادي وتقليل انكشاف الساحة اللبنانية.
من دون هذا الإطار التنفيذي، يبقى الاتفاق عرضة لإعادة التفسير، ويتحوّل تدريجيًا من أداة ضبط إلى مسار يفرض وقائع يصعب التراجع عنها.
في التقدير النهائي، لا يُعد الاتفاق فخًا كاملًا حتى الآن ولا تسوية متوازنة في آن، بل ترتيبًا مرحليًا يعكس اختلال موازين القوى، ليبقى مفتوحًا على غموضً بَناء إلى حد ما. كما لا يُختبر هذا الاتفاق بقدرته على وقف النار، بل بقدرته على منع تحوّله مسارآ يُعيد صياغة إستسلام مُقنع. إذ ان إتفاقات من هذا النوع لا تنهار فجأة، بل تُفرَض نتائجها تدريجيًا…
——————————-
*عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية