حين انهار العقد … مرثية للدولة التي خانت نفسها!

 

خاص – “اخبار الدنيا”

 

بقلم : الدكتورة ميرنا داود*

 

في البدء، كان العهد…

لم يُكتب بحبرٍ على ورق، بل نُقش في ضمير الجمع: أن نمنحها أصواتنا وصمتنا وضرائبنا، على أن تمنحنا في المقابل جدارًا لا يسقط، ومدرسةً لا تكذب، وقاضيًا لا يغمض عينيه حين يرانا.
كنا نسميه وطنًا، وكان الفلاسفة يسمونه “العقد الاجتماعي”. لكنه في قرانا ومدننا لم يكن نظرية في كتاب روسو، بل كان رغيف الخبز الذي نأخذه من فرن الحكومة، والوظيفة التي تنتظر ابن الموظف، والشرطي الذي نناديه إذا ضلّ اللص طريق بيوتنا.

ثم جاء “المال السهل”.. 

جاء مرة على هيئة مساعدات خارجية، ومرة على هيئة قروض لا تُسدد، ومرة على هيئة احتكارات تبيعنا الهواء. وجاء معه شيطان لطيف، همس في أذن الدولة: “لماذا تتعبين في بناء المواطن، إذا كنتِ قادرة على إسكاته؟” فمدّت خزائنها وقالت: خذوا الوظائف بلا إنتاج، وخذوا الوعود بلا خطة، وخذوا الشعارات بلا محاسبة. فقط اغمضوا أعينكم عن القرار المغلق.

وهكذا استبدلنا المواطنة بالزبائنية.
صرنا رعايا في ثوب موظفين. صار الحاكم مدير توزيع، والمواطن صاحب معاملة. لكن صاحب المعاملة لا يبكي إذا أفلس المكتب، بل يبحث عن باب آخر. والمدير لا يحزن إذا رحل المراجع، لأنه لم يره يومًا شريكًا. فقط رقمًا في كشف.

فلما جفّ “المال السهل”، وكثر البنون، انكشفت العورة

الدولة وقفت أمام المرآة وقالت للمواطن: “لقد صرت عبئًا”.
والمواطن وقف أمام المستشفى الخرب وقال للدولة: “لقد صرتِ كذبة”.
وسقط العقد لا بضجيج ثورة، بل بصمت الخيبة. بصمت الأب الذي يدرّس ابنه في مدرسة خاصة لأن الحكومية ماتت. بصمت الشاب الذي يدفع رشوة ليأخذ حقه. بصمت القاضي الذي يؤجل الحكم عشرين مرة لأن ملف القوي لا يُفتح.

أتدري ما معنى أن ينهار العقد الاجتماعي؟
معناه أنك تمشي في الشارع فلا ترى دولة، بل ترى ساحةً يتصارع فيها ألف أمير: شيخ القبيلة يحميك، رجل الدين يفتيك، رجل الأعمال يوظفك، والحزب يعطيك كيس طحين. أما الدولة؟ لقد صارت أميرًا من الأمراء، خصمًا في الميدان، لا حكمًا فوقه.

ابن خلدون صرخ قبل سبعة قرون: “الظلم مؤذن بخراب العمران”

ونحن خرّبناه بأيدينا. جعلنا العدالة حظًا، والقانون وجهة نظر، والوطن فندقًا نغادره إذا ساءت الخدمة. صار الشاب يحمل شهادته في يد، وجواز سفره في اليد الأخرى، ولسان حاله يقول: “لم أخنكِ يا وطني. أنتِ من طلقتني أولًا”.

لقد دخلنا القرن الحادي والعشرين بأحلام طائرة، وبمؤسسات تحبو.
نرى العالم في هواتفنا، ونرى المعاملة الحكومية تحتاج توقيع حارس المبنى وموافقة زوجة المدير. هذه المسافة بين الشاشة والواقع هي المقبرة التي دفنّا فيها العقد. مات المواطن الحديث قبل أن يولد، وبقي جسده يردد شعارات القرن التاسع عشر.

فما العمل؟

العقود لا تُرمم بالخطب.
العقد الجديد لا يولد إلا من رحم ثلاثة أشياء، قاسية كالجراحة:

أولها: عدالة يراها الفقير قبل أن يسمع بها الغني. محكمة تسجن السارق الكبير قبل الصغير.

ثانيها: مدرسة ومستشفى إذا دخلهما ابن الوزير وابن الحارس، خرجا بذات الفرصة وذات الدواء.

ثالثها: صوت. نعم، مجرد صوت. أن يشعر الإنسان أن كلمته لا تسقط في بئر، وأن غضبه له طريق غير الشارع أو المطار.

بدون هذا، سنبقى نعيش في جنازة طويلة لدولة وُلدت ميتة، ونحن أبناؤها الأيتام، نبحث عن أبٍ في وجه القبيلة، وفي لحية الشيخ، وفي مكتب النائب. وفي قوارب الهجرة.

العقد الاجتماعي ليس نصًا. إنه شعور.
وحين يموت الشعور، لا ينفع دستور من ذهب.

—————————-

استاذة جامعية وكاتبة