خاص – “أخبار الدنيا”

بقلم : الدكتورة ميرنا داود*
في ضرورة الخيانة
كل منظومة استبداد تحتاج إلى “مهندسي خراب”. والإعلام القاتل والنخب المأجورة هما مهندسا الخراب الجديدان. مهمتهما ليست إخفاء الحقيقة، بل جعلها غير قابلة للتصديق.
لذلك، فإن الخروج من هذا التيه لا يبدأ بالبحث عن بديل، بل بخيانة العقد الضمني الذي يجعلك تصدّق جلادك. هذا النص دفاع عن تلك الخيانة.

أولًا: سقوط الكلمة… من الوحي إلى الرصاصة
كانت الكلمة في الأصل وعدًا بالخلاص. كان الأنبياء يلقونها فتنشق البحار، والفلاسفة يخطّونها فتتغير الأمم، والشعراء ينحتونها فتولد الهوية. الكلمة كانت فعل خلق.
اليوم، صارت الكلمة رصاصة. لا تُطلق لتُحيي، بل لتقتل المعنى أولًا، ثم الإنسان. والفرق الجوهري أن الرصاصة تقتل مرة واحدة، أما الكلمة المسمومة فتقتل كل يوم. تقتل قدرتك على التمييز، على الغضب، على الحلم.
عندما يتحالف الإعلام القاتل مع النخب المأجورة، لا تسقط الدول فقط، بل يسقط الشرط الإنساني نفسه: القدرة على التفكير. لأن العقل لا يموت حين يُمنع من الكلام، بل حين يقتنع بأن الصراخ هو لغة التفكير.
ثانيًا: الإعلام القاتل… هندسة الموت الرمزي
منطق الاغتيال الناعم
لم يعد الإعلام مرآة تعكس الواقع، بل صار مطرقة تشكّله. خطره ليس في أنه يكذب، بل في أنه جعل الكذب العملة الوحيدة الصالحة للتداول. الصدق صار تهمة، والشك صار خيانة.
القتل القديم يحتاج إلى دم. القتل الجديد يحتاج إلى كاميرا. الإعلام القاتل لا يعدم خصومه، بل يعدم شروط وجودهم الرمزي. يحول الضحية إلى جلاد في نشرة السادسة، ويحول الجلاد إلى حمل وديع في نشرة التاسعة.
هو لا يسرق صوتك. أخطر من ذلك: يعطيك صوته لتتكلم به ضد نفسك. يصنع من الخوف هوية قومية، ومن الكراهية رأيًا عامًا، ومن التفاهة قضية مصيرية. لا يخبرك بما حدث، بل يدربك على نوع الشعور الوحيد المسموح به تجاه ما حدث.

ديمقراطية الصراخ وعبادة التريند
في سوق الإعلام الجديد، الحقيقة بضاعة كاسدة لأنها معقدة وبطيئة. الرائج هو الصراخ لأنه فوري ويثير الغدد. من يصرخ أكثر، يُصدَّق أكثر. من يشتم أعنف، يُتابَع أكثر.
هكذا تتحول الشاشة إلى محكمة تفتيش يومية، والمذيع إلى جلاد يرتدي ربطة عنق ويبتسم، والجمهور إلى قطيع يصفق، لا لأنه اقتنع، بل لأنه وجد أخيرًا من يصرخ نيابة عن حقده المكتوم. العلاقة هنا ليست بين متكلم ومستمع، بل بين جلاد يطلب التصفيق، وجمهور يخاف أن يكون الضحية القادمة.
ثالثًا: النخب المأجورة… انتحار العقل
من إنتاج المعنى إلى إنتاج التبرير
كان الفيلسوف حارس المدينة. سقراط شرب السم لأنه رفض أن يكذب. مهمته أن يسأل السؤال الذي يحرّمه الجميع. النخبة المأجورة قلبت القسم. صارت مهمتها أن تقدم الإجابة التي تريدها السلطة قبل أن يُطرح السؤال.
المثقف الحر يكتب ليكتشف. المثقف المأجور يكتب ليغطي. يمتلك خفة بهلوانية تسمح له بتحويل الهزيمة إلى “نصر استراتيجي”، والفساد إلى “خصوصية ثقافية”، والقمع إلى “ضرورات الاستقرار”.
لغته متورمة بالمصطلحات لا لتشرح العالم، بل لتصنع سدًا بين الناس والفهم. يستعير من الفلسفة قناع العمق، ومن الشعر قناع النبل، ليخفي أن بضاعته كلها مستوردة من مكتب الممول.
بورصة الولاءات وثمن الصمت
النخبة الحقيقية تدفع ثمن مواقفها: نفي، سجن، تهميش، اغتيال معنوي. النخبة المأجورة تقبض ثمن صمتها نقدًا: المناصب، عضوية مجالس الإدارة، الجوائز الممولة، السفريات إلى مؤتمرات “حوار الحضارات”، المقاعد الوثيرة في الفضائيات.
كلها عقود إذعان. البند الأول فيها واضح: أن تبيع قدرتك على قول “لا”. أن تصمت حين يكون الكلام جريمة، وأن تتكلم حين يكون الصمت فضيلة. أن تتحول من شاهد على العصر إلى شاهد زور فيه.

رابعًا: التحالف الشيطاني… صناعة العبودية الطوعية
الخطر الأكبر ليس في أن يكذب الإعلام. كل سلطة كذبت. الخطر أن تمنحه النخبة ختم “الحقيقة العلمية”.
الإعلام القاتل يصنع القطيع عبر التكرار والصراخ. النخب المأجورة تمنحه الشرعية الأخلاقية عبر التنظير والتبرير. الأول يضخ السم في الماء، والثانية تقنعك أن العطش وهم، وأن هذا السم هو الدواء.
النتيجة النهائية هي “العبودية الطوعية” التي حذر منها لابويسيه: مجتمع يرى القيد زينة، ويسمي الزنزانة وطنًا، ويشكر جلاده في نشرة الأخبار لأنه سمح له بالتنفس.
هنا لا تحتاج السلطة إلى سجون، لأن السجن صار في الرأس. الإنسان لا يُقمع بالقوة، بل يُقنع بأنه اختار قمعه بنفسه. هذه هي الهزيمة الكاملة: أن تدافع عن سجانك، وأن تطارد من يحاول تحريرك.
خامسًا: سيكولوجيا الجلاد الذي يبكي… كيف يتحول القاتل إلى ضحية
من الجلاد إلى الحمل: انقلاب السردية
الطغاة القدامى كانوا يقتلون ويصمتون. طغاة اليوم يقتلون ويبكون. يذبحونك أمام الكاميرا ثم يمسحون دمعة على الخد في نشرة المساء.
البكاء هنا ليس ندمًا. هو تكتيك. هو المرحلة الأخيرة من الاغتيال: قتل الضحية مرتين. مرة بالرصاص، ومرة بسرقة حقها في الحزن.
سيكولوجيا الجلاد الحديث تقوم على قاعدة واحدة: أنا أضرب لأني مجروح. أنا أقمع لأني خائف. أنا أحتل لأني مهدد. هكذا يتحول العدوان إلى دفاع عن النفس، والمجزرة إلى خطأ فردي، والسجن الجماعي إلى إجراء وقائي. الجلاد لا ينكر الجريمة، بل يعيد تعريفها بحيث يصبح هو ضحيتها الأولى.
الإعلام القاتل يعطيه المنصة. النخبة المأجورة تعطيه اللغة. الجمهور يعطيه التصفيق. الضحية الحقيقية تُترك خارج الكادر، بلا صوت، بلا اسم، بلا حق في البكاء.
صناعة المظلومية: عندما يبكي الذئب على الحمل
كل جلاد يحتاج إلى مظلومية تاريخية كي يبرر جرائمه. ينبش في قبور الماضي ليصنع من عظام الموتى سلاحًا في الحاضر.
يقول لك: أنا أقتل اليوم لأن جدي قُتل قبل مئة عام. أنا أحرق المدن لأنهم أحرقوا كتبنا. أنا أجوع شعبًا لأنهم شتموا رموزنا. المظلومية هنا ليست ذاكرة، بل رخصة قتل مفتوحة.
الخطر أن هذه المظلومية مُعدية. القطيع يتبناها بسرعة لأنها تعفيه من التفكير الأخلاقي، وتمنحه نشوة أن يكون جلادًا وشهيدًا في المشهد نفسه.
اقتصاد الدموع: متى يبكي القاتل
الجلاد لا يبكي عندما يقتل. يبكي عندما يُكتشف. دموعه ليست على الضحايا، بل على صورته التي اهتزت.
لذلك تراه يبكي في المؤتمرات الدولية، ويبكي في المقابلات المترجمة، ويبكي عندما تهتز العملة. دمعته موجهة للخارج، للكاميرا، للسوق. أما في الداخل فالمذبحة مستمرة باليد نفسها التي تمسح الدمعة.
هذه هي “دموع التماسيح السياسية”: تفرزها غدة السلطة لا غدة الضمير. وظيفتها أن تطفئ غضبك، لا أن توقف نزيفك.
الجمهور المتواطئ: لماذا نصدق دموع الجلاد
الإنسان لا يحب أن يرى نفسه شريكًا في الجريمة. دموع الجلاد تعطيه المخرج الأخلاقي. تقول له: اطمئن، أنت تقف مع الطرف الطيب الذي يتألم.
هكذا يتحول المواطن إلى حارس للسجن وهو يظن أنه يحرس العدالة. يبرر، يشتم الضحية، يتهمها بأنها استفزت الجلاد بدمها.
هذه هي أعلى مراحل العبودية الطوعية: أن تبكي مع من يقتلك، وأن تطلب من المقتول أن يعتذر لأنه مات بطريقة أزعجت القاتل.

في مديح الخيانة المقدسة
كل عصر يحتاج إلى خونة. لكن ليس خونة الأوطان، بل خونة الأوثان. خونة يخونون القبيلة والطائفة والحزب والمالك الذي اشترى صمتهم. خونة لا يخونون الحقيقة.
المهمة اليوم ليست البحث عن إعلام نزيه. هذه رفاهية لزمن آخر. المهمة هي استعادة “أخلاقيات الشك” كفعل مقاومة يومي. أن نصمت متهمين حين يصرخ القطيع بالتهليل، وأن نصرخ متهمين حين ينام القطيع على الظلم.
الحبر الحر له رائحة الدم. والكلمة التي لا تدفع ثمنها من عزلتك وخوفك، لن تشتري بها حرية أحد.
الطريق إلى الحرية لا يبدأ بثورة في الشارع، بل بخيانة واحدة مقدسة في الضمير: أن تخون من كذب عليك باسم الله، وباسم الوطن، وباسمك. أن تعلن أن الملك عارٍ، حتى لو كنت وحدك في الساحة.
هذا هو حد السيف الفاصل بين المثقف والبوق. بين الإنسان والصدى.
————————
*استاذة جامعية وكاتبة.
*رئيسة قسم الابحاث العلمية والفكرية في موقع “اخبار الدنيا”