العلاقة الاميركية – السعودية تمر بمنعطف خطير وأزمة مرشحة للتفاقم
سلط تقرير أميركي الضوء على أخطر أزمة بين الولايات المتحدة والسعودية منذ سنوات، وصلت إلى حد تهديد واشنطن بحرمان الرياض من صواريخ الاعتراض الدفاعية، وجعلتها تفكر جدياً بتقليص وجودها العسكري في المملكة، بعد ان تفاقم الخلاف بين الجانبين على عملية عسكرية أميركية لمحاولة فتح مضيق هرمز، وهو ما ادى في حينه الى مواجهة عسكرية مع ايران.
وكشف تقرير للصحافيين شيلبي هوليداي، وسامر سعيد، وروبي غرامر في صحيفة “وول ستريت جورنال”، إن أكثر من 100 طائرة عسكرية أميركية أقلعت من قواعد وسفن حربية في الشرق الأوسط خلال الربيع الماضي ضمن عملية أطلق عليها اسم “مشروع الحرية”، الهادفة إلى إعادة فتح مضيق هرمز وتأمين مرور السفن التجارية، إلا أن العملية واجهت عقبة مفاجئة بعدما رفضت السعودية السماح باستخدام قواعدها ومجالها الجوي، رغم أهميتهما لإنجاح المهمة.
واشار التقرير الى أن هذا الرفض أجبر الولايات المتحدة على إلغاء العملية العسكرية بعد ساعات فقط من إطلاقها، وفق مسؤولين أميركيين مطلعين على الملف، وهو ما أثار غضب البيت الأبيض، الذي هدد بتجميد تسليم صواريخ الاعتراض التي تعتمد عليها السعودية للتصدي للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية إذا لم تتراجع عن موقفها.
وذكر التقرير أن الرياض عادت ورفعت اعتراضها لاحقًا، إلا أن مسؤولين أميركيين أكدوا أن الضرر الذي أصاب العلاقة بين البلدين لن يكون سهل المعالجة.
ولفت التقرير إلى أن الإدارة الأميركية تدرس حاليًا خفض انتشارها العسكري في السعودية، في خطوة تعكس حجم التوتر الذي أصاب العلاقة الأمنية التي شكلت لعقود أحد أعمدة السياسة الأميركية في الخليج.
ورأى التقرير أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو زار الأسبوع الماضي الإمارات والكويت والبحرين، وهي الدول التي تعرضت لهجمات إيرانية خلال الحرب، لكنه لم يزر السعودية، الأمر الذي فسره مسؤولون سعوديون على أنه تجاهل متعمد، بينما نفت إدارة ترامب ذلك، مؤكدة أن روبيو عقد لقاءات إيجابية مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان على هامش اجتماع مجلس التعاون الخليجي في البحرين، وأن البيان المشترك أكد “الالتزام القوي” بالشراكة بين الطرفين.
وجاء في التقرير أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان رفض أيضًا دعوة لحضور قمة مجموعة السبع في فرنسا احتجاجًا على طريقة تعامل واشنطن مع الحرب، بحسب أشخاص مطلعين على موقف المملكة، في حين بررت الرياض الغياب بارتباطات مسبقة.
وبيّن التقرير أن الخلاف لم يبدأ مع “مشروع الحرية”، إذ إن السعودية ودول الخليج ضغطت منذ مطلع العام على إدارة ترامب لتجنب الحرب مع إيران واللجوء إلى الحلول الدبلوماسية، محذرة من أن أي محاولة لإسقاط النظام الإيراني ستؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز، وتهز أسواق النفط، وتضر بالاقتصاد الأميركي واستقرار المنطقة، كما أعلنت علنًا رفضها استخدام قواعدها أو أجوائها لشن هجمات على إيران.
ورغم ذلك، دخلت الولايات المتحدة الحرب إلى جانب إسرائيل، ما زاد من قناعة الرياض بأن استثمارها في علاقتها مع واشنطن لم يترجم إلى نفوذ فعلي على القرار الأميركي. وردت إيران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة على مراكز سكانية ومنشآت للطاقة ومطارات في الخليج، قبل أن تسمح السعودية ودول خليجية لاحقًا باستخدام قواعدها وأجوائها، وشاركت بعض هذه الدول، وبينها السعودية، في تنفيذ ضربات استهدفت مواقع للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، من دون إعلان رسمي بذلك.
وأضاف التقرير إلى أن الضربات الإيرانية التي استهدفت منشآت حيوية، بينها مشروع رأس لفان للغاز في قطر، وميناء الفجيرة النفطي في الإمارات، ومجمع رأس تنورة النفطي في السعودية، دفعت ولي العهد السعودي إلى تغيير مقاربته، والسعي إلى خفض التصعيد عبر التواصل مع إيران، كما ضغطت الرياض على واشنطن لوقف الهجمات الإماراتية على إيران والعودة إلى طاولة المفاوضات، خشية اتساع دائرة الاستهدافات ضد منشآت الطاقة في الخليج.
وتابع التقرير أن ترامب فاجأ حلفاءه الخليجيين مطلع أيار بإعلانه عبر وسائل التواصل الاجتماعي إطلاق “مشروع الحرية”، الذي دفع بوارج وطائرات ومسيّرات أميركية إلى مضيق هرمز لحماية السفن التجارية، إلا أن السعودية اعتبرت أن العملية ستستفز إيران، وأبلغ ولي العهد الرئيس الأميركي بذلك، قبل أن ترفض المملكة استخدام قواعدها وأجوائها، وهو ما أدى فعليًا إلى إسقاط المشروع.
وأوضح التقرير أن هذا الموقف تسبب بأشد توتر في العلاقات العسكرية الأميركية – السعودية منذ سنوات، وأدى إلى سلسلة اتصالات متوترة بين ترامب وولي العهد، كما أثار استياء إسرائيل والإمارات، وزاد من الخلاف بين الرياض وأبوظبي، التي انسحبت لاحقًا من منظمة “أوبك” وتعهدت بتعزيز تعاونها الأمني مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
واكد التقرير على أن السعودية تمسكت بموقفها، وعززت تواصلها مع إيران، واستقدمت قوات من باكستان التي تقود تحالفًا دفاعيًا جديدًا معها، وتولت دورًا بارزًا في جهود إنهاء الحرب. ونقل عن الأمير تركي الفيصل قوله إن القيادة السعودية اختارت تحمل الأضرار الناتجة عن سلوك جارها الإيراني من أجل حماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم.
وختم التقرير بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة لم تُعد إطلاق “مشروع الحرية”، بل لجأت إلى تنسيق مرور السفن ليلًا وبصمت، مع إطفاء أجهزة التتبع الخاصة بها، فيما تدرس الإدارة الأميركية إعادة توزيع قواتها والتركيز على دول كانت أكثر دعمًا لها خلال الحرب، مثل إسرائيل والأردن، مع التأكيد أن هذه الخطط لا تزال في مراحلها الأولية ولم يُتخذ أي قرار نهائي بشأنها.