أيُّ يسارٍ يُراد لنا؟
خاص – “أخبار الدنيا”

د. طنوس شلهوب
منذ سنوات يجري التعامل مع صفة “اليساري” وكأنها امتياز يمنحه بعض اليساريين لبعضهم الآخر. فمن يؤيد المقاومة يُتهم بأنه تخلى عن اليسار لصالح “الممانعة”، ومن يرفضها يُقدَّم بوصفه اليساري الحقيقي الذي تحرر من أوهام الماضي ومن اللغة “الخشبية”. لكن هذا المنطق يفترض، ضمناً، أن هناك تعريفاً شرطياً بسيطاً لليسار يمكن اختزاله في موقف واحد من قضية واحدة. والحقيقة أن اليسار، ككل ظاهرة تاريخية كبرى، لم يكن كتلة متجانسة ولا عقيدة مغلقة، بل تعددت داخله الاتجاهات والقراءات. ومع ذلك، بقيت هناك خيوط ناظمة تجمع بين معظم تجاربه: رفض الهيمنة والاستغلال، والدفاع عن حق الشعوب في التحرر، ومواجهة أشكال السيطرة الخارجية. ولذلك فإن النقاش الحقيقي ليس من هو اليساري ومن ليس كذلك، بل أي يسار يُراد لنا اليوم: يسار يواجه الهيمنة أم يسار يتكيف معها؟
اليسار الذي يُراد له اليوم أن ينال شهادة “الاعتدال” و”الشرعية” هو ذاك اليسار الذي يتبرأ من المقاومة، ويتخلى عن موقعه التاريخي في مواجهة الهيمنة، ويعيد تعريف نفسه وفق المعايير التي تضعها القوى الغربية وحلفاؤها المحليون. إنه يسار تتطابق شعاراته حول الدولة والسيادة والوطنية مع خطاب اليمين التقليدي الذي وقف، عبر عقود، في مواجهة مشاريع التحرر الوطني، وارتبط سياسياً واقتصادياً بالمراكز الإمبريالية. بل إن بعض هذه القوى بات أكثر اندفاعاً في تبرير السياسات الإسرائيلية والتماهي معها من كثير من الساسة في تل أبيب نفسها.
المطلوب ليس يساراً نقدياً أو ثورياً، بل يسار ليبرالي الطابع، أخلاقي الخطاب، منزوع الأنياب، خالٍ من المخاطر، يكتفي بالتعليق على المآسي واصدار البيانات بدل السعي إلى تغيير شروط إنتاجها. يسار يتحدث عن العدالة المجردة والمقاومة العربية الشاملة، لكنه يتجنب السؤال عن دوره حالياً من مطلب نزع سلاح المقاومة، وعن غيابه عن مقاومة العدوان والاحتلال (بغض النظر عن الامكانيات)، وعن موازين الهيمنة التي تصوغ مصائر الشعوب.
غير أن الصراع في لبنان لا يمكن اختزاله إلى سجال ثقافي أو خلاف أكاديمي حول المفاهيم. إنه صراع يتعلق بموقع لبنان في خريطة المنطقة في ظل التغول الصهيوامبريالي، وبقدرته على الدفاع عن سيادته واستقلاله في مواجهة مشروع إسرائيلي لم يتوقف يوماً عن السعي إلى فرض شروطه السياسية والأمنية والاقتصادية على لبنان والمنطقة. وفي لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تُعاد صياغة موازين القوى بالنار والحصار والتدمير، لا يعود ممكناً التعامل مع قضية المقاومة كأنها مجرد تفصيل ثانوي أو خيار سياسي بين خيارات متساوية.
ومن هنا، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون لماذا يقف بعض اليساريين مع المقاومة، بل لماذا يُستغرب منهم ذلك أصلاً. فاليسار، في أحد أهم تعريفاته التاريخية، هو انحياز إلى الشعوب في مواجهة الهيمنة، وإلى حق الأمم في تقرير مصيرها في مواجهة الاحتلال والسيطرة الخارجية. لم يكن اليسار، في تجاربه الكبرى، شاهداً محايداً على معارك التحرر الوطني، بل كان جزءاً اساسياً منها. من الجزائر إلى فيتنام، ومن كوبا إلى فلسطين، لم يكتسب شرعيته من مراقبة الصراع من الخارج، بل من الانخراط فيه.

وحين يتعرض وطن للعدوان، لا تصبح المقاومة مجرد خيار سياسي بالنسبة إلى اليساري، بل تتحول إلى مسؤولية وطنية وأخلاقية تنبع من جوهر رؤيته للعالم. ذلك أن النضال ضد الهيمنة الخارجية ليس منفصلاً عن النضال ضد الاستغلال الداخلي، بل شرط من شروطه. فلا عدالة اجتماعية في ظل التبعية، ولا تنمية مستقلة في ظل الخضوع والإلحاق بالمشروع الصهيوني، ولا ديمقراطية فعلية في بلد يُراد له أن يعيش تحت التهديد الدائم والابتزاز المستمر.
وليس مقبولاً أن يُطلب من اليساري، كي يثبت التزامه بالدولة أو الحداثة أو العقلانية، أن يتخلى عن أحد أبرز مكونات تراثه السياسي: مقاومة الاحتلال والهيمنة والدفاع عن استقلال الشعوب.
والأخطر أن بعض من يقدمون أنفسهم اليوم بوصفهم ممثلين لليسار لم يعودوا يكتفون بنقد المقاومة أو مساءلة خياراتها، بل باتوا ينظرون إليها باعتبارها المشكلة الأساسية بحد ذاتها. فبدلاً من الانطلاق من حقيقة وجود مشروع إسرائيلي عدواني مستمر، يجري اختزال المقاومة إلى مجرد أداة إيرانية، وكأن الصراع مع إسرائيل انتهى أو أصبح تفصيلاً ثانوياً. ومن هذه المقدمة يصل هؤلاء إلى تبني مقاربات سياسية تراهن على أن التخلي عن عناصر القوة التي تمثلها المقاومة كفيل بجلب الأمن والاستقرار، من خلال الرهان على سلطة فرضها الاميركي بوظيفة تصفية المقاومة، وشيطنتها، واستبدالها بمنطق المواجهة “بالدبلوماسية” لتحرير الارض وردع العدوان الإسرائيلي، وإلى الترويج لأفكار من نوع جعل مدن الجنوب، كصور والنبطية، “مدناً مفتوحة” بحجة حمايتها من التدمير الإسرائيلي.
غير أن هذه المقاربة تنطوي على قلب كامل للوقائع. فهي تنقل المسؤولية من المعتدي إلى المعتدى عليه، وتجعل المشكلة في وجود من يقاوم لا في وجود العدوان نفسه. كما أنها تعيد إنتاج الوهم القديم القائل إن الاستسلام لموازين القوى يوفر الحماية. لكن التاريخ يعلمنا أن المدن لا يحميها إعلان عجزها عن الدفاع عن نفسها، وأن المعتدي لا يكافئ من يتخلى عن أسباب القوة، بل يفرض عليه مزيداً من الشروط والإملاءات. ولعل أخطر ما في هذا المنطق أنه يلتقي، من حيث النتيجة مع الرؤية التي تريد للبنان أن يدخل عصر “السلام” من بوابة الخضوع والاستسلام.
إن المشكلة الحقيقية ليست في وجود يساريين يقفون إلى جانب المقاومة، بل في محاولة إنتاج يسار منزوع السياسة والتاريخ، يسار يتحدث عن العدالة الاجتماعية لكنه يصمت أمام الهيمنة الخارجية، ويتحدث عن السيادة لكنه يرفض امتلاك شروطها، ويتحدث عن الحرية فيما يقبل بإخضاع مصير بلده لموازين القوة التي يرسمها الصهاينة والاميركيون.
فإذا كان اليسار قد وُجد أصلاً ليقف إلى جانب المقهورين في مواجهة القاهرين، وإلى جانب الشعوب في مواجهة الهيمنة الامبريالية، فإن قيمته الحقيقية لا تُقاس بخطابه ودوره في أوقات السلم، بل بما يفعله في اللحظات المصيرية. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال: كيف يبرر اليساري وقوفه مع المقاومة؟ بل كيف يمكنه أن يبرر تخليه عنها على الأقل، مع ان المطلوب ان يكون جزءاً منها.
———————————-
أكاديمي، كاتب لبناني مقيم في كندا