S-400 رسائل سياسية ب”البريد العسكري”…

بِقَلَم ألعميد منذر ألأيوبي*
24.11.2015 أسقطت قوات ألدفاع ألجوي ألتركية طائرة مقاتلة روسية نوع سوخوي SU-24 كانت تُحلق على إرتفاع 24.000 ft قَدَمَ وَ تبعد مسافة مَرِنة 4 Km مِن الحدود السورية التركية ..
أفضَت سلسلة تهديدات سياسية ، عسكرية و فرض عقوبات إقتصادية وََجَهتها روسيا إلى رسالة إعتذار خطية بدايَةً ، تَبِعها إتصالات هاتفية رئاسية تركية مع ألكرملين ثُم زيارة ألرئيس ألتركي رجب طيب أردوغان موسكو و تقديم ألتعزية للرئيس ألروسي فلاديمير بوتين مما ساهم في تبريد ألأجواء ..
مُنذُ تلك أللحظات ألحَِرجَّة عقب ألحادث ألمؤسف و ما تَلاهُ من إرتدادات بدأت ألإنعطافَة ألتركية شرقآ نحو موسكو ..!!
إرتفع ألتقارب بين ألبَلَدين إلى مستوى علاقة إستراتيجية لحماية و تنسيق مصالحهما ألمتقاطعة سواء إقليميآ – ألحضور ألتركي في ألمَيدان ألسوري “ألمشاركة في ألتسوية” – أو داخليآ حيث سُجِل ألبدء بِمشاريع مشتركة منها : محطة ألطاقة ألنووية في تركيا ،، خط ألغاز ألروسي عبر تركيا ، بِألإضافة إلى جملة ملفات تتناول ألتعاون ألإقتصادي ، ألتبادل ألتجاري ، تسهيلات في ألقطاع ألسياحي ، ألصناعات ألعسكرية ..
تُوِجَت هذه ألعلاقات ألدافئة لاحِقَآ بِموافقة ألرئيس ألروسي فلاديمير بوتين على توريد منظومة صواريخ ألدفاع ألجوي S-400 بموجب إتفاقية وُقِعت خلال شهر كانون ألأول 2017 بين رئيس أركان ألجيش ألتركي “ياشار غولر” Yaşar Güler و رئيس أركان ألجيش ألروسي ميجور جنرال “فاليري غيراسيموف” Valery Vasilyevich Gerasimov ألأمر ألذي أثار توترآ كبيرآ بين أنقرة و واشنطن لم تَنتَهِ فُصولَهُ حتى ألآن ..
في ظل هذه ألأجواء ألمَشحونة لم يَلتفت ألرئيس ألروسي إلى ألوراء فألصفقة تَصُب في مصلحة موسكو ألجيوسياسية ،، إذ أعطى ألضوء ألأخضر لرئيس شركة “روستيخ” Rosteg الحكومية الروسية لتصنيع الأسلحة والمعدات العسكرية سيرغي تشميزوف Sergey Chemezov بُغية تسريع ألتنفيذ و ذلك إثْرَ لِقاءِهِ ألرئيس ألتركي و بِناءً لِطلَبهِ ،، بحيث تتسلم تركيا أول دفعة من منظومة S-400 خلال شهر تموز من ألعام ألحالي 2019 ..!
جُملة تساؤلات تُطرح على خَلفية ما يجري ،، ما هي صواريخ S-400 ..؟؟ لِماذا هذه ألضجة ألمُثارَة حولها ..؟؟ هل ألقضية تتعلق فقط بِتعاون عسكري غير مرغوب فيه بين دولة عضو في حِلف NATO تتمركز على أراضيها قوات جوية أميركية “قاعدة إنجرليك” قرب مدينة “أضَنَة” Incirlik Air Base ..؟؟ أم أن هنالك رسائل سياسية ما تَحمِل في مضمونها ألكَثير ، تَرغيبآ أو تَرهيبآ ..؟؟
تُعتبر صواريخ Triumph S-400 مِنظومة دفاعية جوية متطورة قادرة على تدميرأهداف بعيدة بدءآ
من مسافة 3 حتى Km 400 – ذات قدرة تتبع و إطباق على 300 هدف في وقت واحد ،، إضافةً إلى أن قوتها ألتدميرية فَعالَة ضِد جميع أنواع ألطائرات ألمقاتلة و ألصواريخ ألمُجَنحة Winged Rockets كما بِأستظاعتها ألتعامل بِكفاءة مع طائرات الإنذار المبكر ، طائرات التشويش ، طائرات الاستطلاع و هي مضادة أيضًا للصواريخ الباليستية متوسطة المدى و تحتاج بطاريات أل S-400 إلى مدة زمنية قصيرة نسبيآ 5 mn دقائق لتصبح في حالة ألجهوزية ألقتالية و ألإستجابة ألتلقائية ..
في سياقٍ مُتَصِل ،، منذ عام 2018 و بعد توقيع ألإتفاقية تتعرض تركيا – أردوغان لضغوطٍ هائلة من ألولايات ألمُتحدة ألأميركية بغية كبح جموحها و إصرارها على ألتزود بهذه ألمنظومة ألدفاعية ألجوية ألمتطورة ..
ألرد كان : لا رجوع عن ألصفقة ..!
يؤكد ألرئيس ألتركي أن ألأمر يخص تركيا و أمنها ألقومي “هذه الاتفاقية أبرمت بعد توافق مع موسكو و الآن انتهى النقاش حولها”، مشيرا إلى أن عملية التصنيع مستمرة كما أن “تسريع التسليم سينعكس تعزيزآ لأواصر الصداقة التي تربطنا بروسيا”..
جُملة إستنتاجات يمكن إستخلاصها و عدة مؤشرات لا بد من قراءتها :
-إن أول وحدة من صواريخأس 400″ ستسلم لتركيا و تبدأ العمل في صيف2019 ..!!
-سَتكون تركيا أول بلد في حلف شمال ألأطلسي NATO يمتلك هذه المنظومة من صواريخ S-400
جو – أرض ألدفاعية ألمتطورة ..!!
-تعتبر منظومة S-400 Triumph أقل كلفة و أعلى جودة و أكثر فعالية مع ما يوازيها في ألترسانة ألأميركية : منظومة ألدفاع ألجوي ألصاروخي ألتَكتي “ألعالي وَ ألمتوسط” MIM-104 Patriot ..!!
-حاولت واشنطن إقناع أنقَرَة شراء منظومة “باتريوت” المضادة للصواريخ بدلآ مِن أل S-400 ألروسية ألمُنافِسَة إلا أن ألرئيس أردوغان عاد وكرر القول “أنه لا مجال للعودة عن صفقة ألصواريخ الروسية”..
-تُعارض الولايات المتحدة ألأميركية شراء و حيازة تركيا هذه المنظومة إذ ستؤدي بنظرها إلى كشف تِقَنيات طائرات F 35 ألمتطورة و قدرتها ألمفترضة على الإفلات من ألصواريخ ألروسية فتصبح تحت رحمتها ..
-يعتبر ألخبراء ألعسكريين ألأميركيين أن نِظام S-400 غير قابل لِ “ألدمج” Combine إضافةً إلى “عدم ألتلاؤم” Incompatibility مع أنظمة NATO ..!! ردت تركيا بِإقتراح تشكيل مجموعة عمل فنية مشتركة ، للتأكد من أن ‏المنظومة لن تكون خطرا على طائرات إف-35 الأميركية أو أنظمة ألحلف و عتاده ألحربي فكانت ألنتيجة سلبية ..!!
بألطبع ،، وَ بعد موافقة موسكو سيتيح شراء نظام الصواريخ S-400 لِ تركيا تأسيس قاعدة تكنولوجية لطالما سعت إليها ،، تمكنها من بناء قدرة تصنيع مستقبلية لهذا ألنوع من ألأسلحة ،، في هذا ألإطار أعلن Chemezov “إن بلاده أخذت على عاتقها الالتزام بإعطاء الفرصة لتصنيع أجزاء من قطع الغيار لمنظومة ألدفاع ألجوي ألروسية « أس-400 »” على الأراضي التركية” و هوَ أمر ترفضه واشنطن فيما خَصَ منظومتها ألصاروخية Patriot ..
لا تُريد الولايات المتحدة ألأميركية أن تتخلى عن صدارتها في سوق السلاح فهي ألأولى في ألعَالَم تليها روسيا و ألصفقة ستفقدها ألصدارة ..!! إذ تستشعر واشنطن أن ألتنافس على التصنيع ألعسكري للأسلحة ألمتطورة بدأ يميل لمصلحة روسيا سواء على صعيد ألأداء ، ألكفاءة و ألقدرة ألقتالية أم غلى صعيد ألكلفة ألمالية و القروض ألمُيَسرة …!
أن ما تَخشاه واشنطن أيضآ هو احتمال إقدام دول أخرى غربية أو عربية على شراء أل S-400 ألأمر ألذي سيؤدي إلى تغيير الكثير من التوازنات كما سيزيد ألشرخ عمقآ بينها و بين موسكو ..!!
 
في أعقاب محاولة الانقلاب ألعسكري ألفاشلة في تركيا عام 2016 على يد مجموعة من ضباط القوات المسلحة بَرَزَت ألخلافات على ألسطح إذ وجَهَ ألرئيس ألتركي أردوغان ألإتهام إلى جهاز ألمُخابرات ألأميركية CIA بضلوعها في ألأمر ،، لا سيما و أن “فتح الله جولن” رجل الدين ألمعارض ألمقيم فى الولايات المتحدة سبق وَ طلبت أنقرة مِرارَآ تَسليمَهُ بتهمة التحريض على الانقلاب إلا أن واشنطن قابلت ألطلب بِألرفض ..!
ألمواجهة سَتَستَعر بين واشنطن و أنقرة على خلفية صفقة صواريخ اس- 400 الروسية ،، إذ أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية “تشارلز سامرز” Charlie Summers أوائل ألشهر ألماضي أن تركيا ستواجه ـ “عواقب خطيرة على العلاقات بشكل عام والعسكرية خاصة” مؤكدآ أن أنقرة لن تحصل على طائرات F 35 و صواريخ باتريوت في حال اشترت كما هو مقرر المنظومة الروسية المضادة ..
أعقب ذلك إتصال هاتفي طلب فيه Summers من الرئيس التركي ألتراجع عنألصفقة و الاستعاضة عنها بمنظومةباتريوت” الأميركية مؤكدآ قرار إدارةالرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي صدّقعليه الكونغرس عام 2017 ألقاضي بمعاقبة الدول التي تعقد صفقات معالصناعة العسكرية ألروسية …
بِألتوازي أطلق نائب الرئيس الأميركي “مايك بنس” Mike Pence يوم أمس تحذيرآ شديد اللهجة قائلآ “إن ‏على تركيا أن تختار بين أن تبقى شريكآ في حِلف الناتو أو أن تخاطر بالشراكة من خلال قرارات متهورة”..
ألرسالة إذن سياسية بِألمُطلق ،، تعبر عن إنعدام ألثقة بين واشنطن و أنقرة ،، فَهي تتعلق بحرية ألقرار ألتركي من جهة في حين تَرى واشنطن أن تَفضيل دولة عضو في حلف شمال ألأطلسي الدفاع الجوي الروسي يَعني تفوق ألتكنولوجيا ألتسليحية ألروسية ،، ألأمر ألذي سَيؤدي إلى ضرب المصالح الجيوسياسية و المالية الأميركية “. و هنا لُب ألقضية ، إذ بَاتَت ألإستراتيجية ألأميركية على ما يبدو غَير متطابقة مع رؤية أنقَرَة إجمالَآ …
عادةً ما يكون ألبريد ألعسكري معجل جدآ ، و هو يحمل في طياته ألآن سؤالآ واضحآ هل سَتنسحب تركيا من حلف شمال الأطلسي و تستكمل سلوكها شرقآ وفقآ لِمصالحها ألإستراتيجية ؟ أم أن ألأمر مرتبط ببطاقة حمراء ترفعها في وجه واشنطن بما يضمن مصالحها ألمالية و ألحفاظ على قوة و قيمة عملتها ، كذلك إطلاق يدها في ألشمال ألسوري حمايةً لِأمنها ألقومي بما يمنع نشوء دولة كردية على تخومها …؟؟
بإنتظار رسالة ألرد ،، يقول “طُرفَة بِن ألعبد” في مُعلقته :
ستُبْدي لكَ الأيامُ ما كنتَ جاهلاً .. و يأتيكَ بالأخبارِ من لم تزوِّدِ ..
بيروت في 04.04.2019