خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم : الدكتورة ميرنا داود*
على حافة المعبد حين تصبح المساومة نشيد شمشون الأخير!!
في لغة السياسة، ليست المساومة مقصلةً تُنصب للقتل، بل هي خنجرٌ يُغرس في الخاصرة ليستنزف الإرادة. لا أحد يُطبق الخناق على عنقك كي تموت، بل كي تركع. فإن عُدمت مخالبك، أرادوك مستسلمًا. وإن بقي في كفك شيء من بأس، فالغاية جرّك إلى مائدة المساومة، مُثقلًا بجراحك.
وللمساومة فلسفةٌ لا يخطئها العارفون: أن تُغلق الأبواب كلها، وتترك للخصم نافذةً واحدة تُفضي إلى ساحتك. لأنك إن أوصدتها جميعًا حتى الاختناق، أيقظت فيه جنون شمشون. وحينها، سيهدم المعبد على رأسك ورأسه، ويرقص فوق الركام.
فإن جاءك العرض، فانظر في مرآته. قد يكون وضيعًا قصدًا، لتفاوض وتستجدي السقف الأعلى. وقد يكون طعنةً في الكبرياء، يُبقيك معلقًا على حبل المشنقة. وهنا يسقط المُساوِم في شرك حماقته، لأنه يدفعك دفعًا إلى الهروب إلى الأمام. إلى فوهة المدفع التي تغيّر خرائط القوى.
اسألوا فرساي عن هذا. ذلك الصلح الذي أراد إذلال أمة، فأنجب لها طاغيةً أشعل الدنيا نارًا. فالعروض المهينة لا تصنع سلامًا، بل تصنع وحشاً. وتصنع حربًا.
إن الطرف المُساوَم، ما دام في صدره نفَس وفي يده شظية قوة، سيختار الانفجار على الموت البطيء. فالحرب وبحسب اعتقاده، على فداحتها، أهون من قبرٍ يُحفر لك كل يوم.
وعندما تتقاطع سيوف الإقليم وحراب العالم، ويقف الجميع على شفا الهاوية، لا يبقى إلا صوت العقل: التسوية. فما من عاقلٍ يقفز في الجحيم، أو يدفع عدوه إليه، لأن اللهب سيطال الجميع.
ولا مساومةَ تُعمّر. فالجوع كافر، والاستنزاف يلد العنف. والجسد الذي تنهشه المساومة سيتحول من فريسةٍ إلى وحش. والجائع، حين ينفجر، لا يسأل عمّا سيخسره.
هذه المنطقة الآن واقفة على صفيحٍ ساخن. تتهيأ لتكون شريان غازٍ وجسر عبور، ولا يمكن أن تبقى ساحة استنزافٍ أبدية. لا بد من عرض، أو تبديلٍ لهذا الواقع المُنهِك. فأي عقلانية ستسود؟
هل نحن أمام عروضٍ تزن الأمور بميزان العقل؟ أم أمام وهمٍ قاتلٍ بأن الاستنزاف يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، دون أن يبلغ أحدنا لحظة شمشون؟ هل هو انفجارٌ يعيد رسم اللعبة بالدم؟ أم حلٌّ إقليمي كبير يطوي صفحة النزيف؟ أم أننا سنمضي في ترقيع الخرائط، قطعةً قطعة؟
أسئلةٌ كالعلقم في الحلق. لا يملك جوابها من يرى العالم من ثقب أمانيه. الواهم وحده يرتاح. أما من غاص في عمق الفكرة، فإنه يصمت. يصمت طويلًا، إجلالًا للعقل، وخوفًا عليه.
———————-
* كاتبة واستاذة جامعية