وهم “تغيير العقيدة”: في نقد خطاب سامي الجميّل وأعداء المقاومة!

 

خاص – “أخبار الدنيا”

د. طنوس شلهوب

ما يُطرح في خطاب سامي الجميل وأضرابه من السياسيين حول “تغيير عقيدة الشيعة” لا يعكس فقط التباساً معرفياً، بل يكشف أيضاً عن قراءة اختزالية تتجاهل تعقيد الظواهر الدينية والاجتماعية. فالتشيّع، كغيره من التقاليد الدينية الكبرى، ليس عقيدة واحدة صلبة، بل فضاء تاريخي متشعّب تتقاطع فيه مدارس فقهية متعددة وتيارات فكرية وسياسية متباينة، من النجف إلى قم، ومن النزعات الإصلاحية إلى الأطر الحركية المعاصرة.
ضمن هذا التنوع، تبرز “ولاية الفقيه” بوصفها اجتهاداً سياسياً محدداً ارتبط بتجربة روح الله الخميني، لا باعتبارها التعبير النهائي عن التشيّع. فثمة تيارات شيعية لا تتبناها أو تتحفظ عليها، ما يؤكد أن الحديث عن “عقيدة واحدة” ليس سوى تبسيط يخدم خطاباً سياسياً أكثر مما يعكس واقعاً معرفياً.
غير أن هذا التبسيط في الخطاب السياسي للجميل وأضرابه من عتاة اليمين اللبناني، لا يمكن فصله عن السياق السياسي الذي يصدر عنه. فخطاب الجميل الراهن، يتصل أساساً بالإرث التاريخي لـحزب الكتائب اللبنانية، الذي نشأ كقوة احتياط يمينية داخل بنية النظام الطائفي، ولعب دوراً دموياً خلال الحرب الأهلية اللبنانية. هذا التاريخ، بما يحمله من مشروع سياسي عنصري وطائفي، مارس الخطف على الهوية بحق المحمديين من كافة المذاهب، والقتل، والتهجير، ويُصنف في الصراع الراهن (بغض النظر عن التراجع الكبير الذي أصاب شعبيته، لمصلحة غير طرف، خصوصا حزب القوات الذي يتنافس معه في التحريض الطائفي والعداء للمقاومة) كقوة طائفية تساهم في ترسيخ الانقسام، وتدفع نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب، والقفز فوق التجربة السابقة للتحالف الكتائبي مع اسرائيل، من دون التعلم من تلك التجربة، وما جرته من ويلات على اللبنانيين عموماً، والمسيحيين خصوصاً، وإدراك مخاطر هذا السلوك الانتحاري. وعليه، فانه في الإطار التاريخي، يُقرأ هذا الخطاب ضمن موقع سياسي يميني تقليدي لحزب الكتائب في مواجهة التيارات القومية العربية، واليسارية، وقوى المقاومة، مع اتسامه بميل دائم نحو علاقات وثيقة مع الغرب، وجنوح دائم للانفتاح على المشروع الصهيوني.
إذا انتقلنا إلى المنهجية العلمية المادية التاريخية، فإن المسألة لا تُفهم من زاوية “صحة العقائد”، بل من حيث الوظيفة الاجتماعية والسياسية. هنا يمكن تصنيف التيارات الدينية—بما فيها الشيعية—بحسب موقعها في البنية الاقتصادية والصراع الطبقي والاجتماعي: فبعضها يؤدي دوراً محافظاً حين يكرّس علاقات الهيمنة، فيما قد تتقاطع قوى أخرى، في لحظات معينة، مع حركات تحرر أو مطالب اجتماعية، فتأخذ طابعاً تقدمياً. وهذا التصنيف متحوّل بطبيعته، لا ثابت.
ضمن هذا الإطار، يمكن قراءة تموضع حزب الكتائب نفسه بوصفه قوة سياسية تمثل مصالح البرجوازية الكومبرادورية، (حيث الهيمنة تعود فيها تاريخياً للنخب الاجتماعية المسيحية) أي الفئات المرتبطة بالاقتصاد الريعي وبشبكات المصالح الخارجية للإمبريالية. في هذه الحالة، يغدو الخطاب الطائفي—ومن ضمنه الحديث عن “عقائد” الآخرين—أداة سياسية لإعادة تنظيم الاصطفافات وتثبيت المواقع داخل نظام اقتصادي–سياسي قائم.
من هنا، تبدو فكرة “تغيير عقيدة” جماعة دينية إشكالية على مستويين: معرفياً لأنها تفترض وحدة غير موجودة، وسياسياً لأنها تتجاهل أن التحولات الفكرية لا تُفرض بخطاب فوقي، بل تنبثق من شروط مادية وتاريخية أعمق. وعليه، فإن النقاش الأجدى لا يكمن في محاولة إعادة تشكيل عقائد الآخرين، بل في فهم كيف تتكوّن هذه التيارات، وكيف تعمل داخل مجتمعاتها، وما الدور الذي تلعبه في إعادة إنتاج السلطة أو في تحدّيها.
بهذا المعنى، لا يعود الخطاب مجرد توصيف لـ“عقيدة الآخر”، بل يصبح مرآةً تعكس موقع صاحبه داخل شبكة معقّدة من التاريخ والانقسام والمصالح.
حين يُختزل التشيّع في “عقيدة واحدة”، يجري القفز فوق واقع أكثر تعقيداً بكثير: نحن لا نتحدث عن مذهب مغلق، بل عن تاريخ حيّ من التيارات والمدارس التي اختلفت في الفقه، وفي فهم العقل والنص، وفي العلاقة مع السلطة.
على المستوى العام، يتوزع التشيّع إلى عائلات كبرى. في التشيّع الإمامي الاثني عشري—وهو الأوسع اليوم—تتجسد أغلب هذه التباينات. أما التشيّع الزيدي، كما عند يحيى حميد الدين، فقد طوّر تصوراً للإمامة أقرب إلى الفعل السياسي المباشر، حيث يُشترط في الإمام الخروج والقدرة على القيادة، وهو ما يختلف جذرياً عن التصورات الإمامية اللاحقة. في المقابل، نجد في التشيّع الإسماعيلي نموذجاً آخر، تمثّله اليوم شخصيات مثل آغا خان الرابع، حيث يغلب البعد التأويلي–الفلسفي، ويتراجع الحضور الفقهي التقليدي لصالح قراءة رمزية للدين.
لكن التعدد الحقيقي الذي يمسّ الواقع السياسي المعاصر يظهر داخل التشيّع الإمامي نفسه. هنا، برز تاريخياً صراع بين مدرستين: الأخبارية، التي يمثلها مثلاً محمد أمين الأسترآبادي، والتي ترفض التوسع في الاجتهاد العقلي وتتمسك بالنصوص؛ والأصولية، التي يمثلها وحيد البهبهاني، والتي فتحت الباب أمام دور العقل والاجتهاد، وأرست موقع الفقيه كمرجع يُقلَّد.
من داخل هذه المدرسة الأصولية نفسها، تفرّعت اتجاهات متباينة في فهم السياسة. فهناك اتجاه “نجفي” تقليدي، يمثله اليوم مثلاً علي السيستاني، يميل إلى تقليص دور الفقيه في الحكم المباشر، ويؤكد على مسافة بين المرجعية والسلطة السياسية. في المقابل، نجد نظرية “ولاية الفقيه” التي بلورها روح الله الخميني، والتي أعادت تعريف دور الفقيه كقائد سياسي وديني في آن، ضمن دولة إسلامية.
إلى جانب هذين الاتجاهين، ظهرت تيارات إصلاحية حاولت إعادة قراءة التشيّع في ضوء الحداثة، كما عند علي شريعتي الذي قدّم قراءة ثورية–اجتماعية للدين، أو السيد محمد حسين فضل الله الذي سعى إلى تجديد الخطاب الفقهي والانفتاح على قضايا معاصرة.
ما تكشفه هذه الأمثلة هو أن التشيّع ليس بنية جامدة، بل ساحة صراع فكري واجتماعي مفتوحة: صراع بين النص والعقل، بين الانكفاء والتدخل السياسي، بين المحافظة والتجديد، وبين توظيف الدين لتثبيت السلطة أو لتحفيز التغيير.
بهذا المعنى، لا يعود الحديث عن “عقيدة شيعية” سوى تبسيط مخلّ. الأدق أننا أمام “تشيّعات” متعددة، لكل منها ممثلوه وسياقاته ووظيفته داخل المجتمع. وهذا التعدد هو ما يجعل أي محاولة لتوصيفها بخطاب واحد—أو الدعوة إلى “تغييرها” ككتلة واحدة—أقرب إلى موقف سياسي منه إلى فهم علمي.
في هذا الإطار المحدد، يمكن القول إن “ولاية الفقيه” تكتسب—وظيفياً—طابعاً صراعياً ذا بعد تحرري في اللحظة التاريخية الراهنة، ليس لأنها تمثل “جوهر التشيّع”، بل لأنها تؤدي دوراً معيناً في ميزان القوى الإقليمي. وهذا التحديد مهم، لأنه ينقل النقاش من مستوى العقيدة المجردة إلى مستوى الدور السياسي الفعلي.
ومن هنا تحديداً يمكن قراءة خطاب الجميل: فهو لا يتوجه إلى “التشيّع” بوصفه تعددية فقهية وتاريخية، بل يستهدف هذا الاتجاه بعينه، أي التشيّع السياسي المرتبط بخيار المقاومة والموقع الذي تحتله إيران في القطع مع التبعية الامبريالية، وانتهاج خيار توظيف الفائض الاجتماعي في التنمية الداخلية، وبناء اقتصاد منتج في ظل حصار امبريالي ظالم، والالتزام الحاسم بتبني القضية الفلسطينية من باب الحق المشروع للشعب الفلسطيني في نضاله الوطني التحرري، والدور الذي تلعبه على الصعيد الإقليمي في دعم حركات المقاومة، يضاف الى ذلك، التطور الكبير الذي حققته حركة المقاومة في لبنان منذ العام 1982 مع انطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، والإنجازات التي حققتها بكافة فصائلها، وصولاً الى تمكن المقاومة الإسلامية من فرض ما يشبه توازن الردع مع الكيان الغاصب.
إن الخطاب السياسي لأعداء المقاومة يسعى لتشويه المقاومة على مستويات الفعل السياسي، والهوية الوطنية، والبنية العسكرية والتنظيمية، والبناء الأيديولوجي، ويهدف لزرع الشك عند اللبنانيين عموماً، والجنوبيين خصوصاً، بفائدة العمل المقاوم، ولتحميل المقاومة مسؤولية التوحش الذي يمارسه الصهاينة، وكل ذلك بالتنسيق مع العدو الصهيوني، الذي يمعن في التدمير والقتل وارتكاب المجازر بحق المدنيين العزل، وأطقم الدفاع المدني، والإعلاميين. وهذه الحملة ليست جديدة او طارئة، وتعود للعام 2005 مع انطلاق حملات التشويه الممولة خليجياً واميركياً، وبإدارة مباشرة من السفارة الأميركية في بيروت. ومؤخراً، تصاعد الخطاب التحريضي لحد الهستيريا السياسية في ظل اندفاع ثنائي جوزف عون ونواف سلام لملاقاة الصهاينة في ثلاثة أرباع الطريق، وبعدما تبين لهؤلاء أن الضربات التي أصابت المقاومة في العام 2024، وما أعقب ذلك من تغول صهيوني على امتداد خمسة عشر شهراً في ظل امتناع المقاومة عن الرد، انما كانت فترة تحضير وإعداد واستخلاص للتجربة، خرجت بعدها المقاومة بقوة فاجأت كما العدو الصهيوني، كذلك كل من راهن عليه في الداخل اللبناني، من مروحة واسعة من القوى السياسية والأبواق المرتزقة الإعلامية من مختلف الأنواع والصنوف.
وفي هذا السياق، لا يبدو خطاب الجميل ويعقوبيان واضرابهم من قواتيين و”تغييريين” حول “العقيدة” سوى أداة إضافية ضمن معركة سياسية مفتوحة، أكثر مما هو نقاش فكري فعلي.
في النهاية، لا يكون هذا النوع من الخطاب تفسيراً للواقع، بقدر ما يكون انعكاساً لموقع قائله داخله. وبعيداً عن الأسماء في جوقة اعداء المقاومة، للتاريخ احكامه التي تكتبها حركات التحرر والمقاومة في قيادة الشعوب، والذين يراهنون على المحتل، بالتأكيد سينهزمون مع هزيمته.

——————————

*أكاديمي، كاتب لبناني مقيم في كندا