نهارٌ أخضر …

(قصة قصيرة)
___________

بقلم : فاطمة صالح

من بينِ أصابعِ الأعشابِ الرّفيعةِ الغضّة، كنتُ ألتقطُها حَبّةً، حَبّة.. خضراءَ، ومُكتحِلةً بالبنفسجيّ الغامق.. وبنّيةً جَعِدَةً، جافّة..
بَعضُها مُكتنزٌ يلمعُ فيهِ الزيتُ، ويَطلي أصابعي بطبَقةٍ طريّة.. وبعضُها مغمورٌ في الطين..
قبلَ يَومَين، كانتِ خيوطُ السماءِ تمتدُّ نحوَ الأرضِ لتُقبّلَ أديمَها قبلةً طالَ انتظارُها.. فأحيَتها بعدَ مَوتِها، وتركتْ بَصماتها المُبلّلةَ بينَ ذرّاتِ تُرابها، دليلاً على عِشْقٍ أصيلٍ يتجدّدُ كلَّ عام.. بل، كلّ عدّةِ أشهر.. وأحياناً تلتقيانِ في حالةِ انصِهارٍ، واندِماجٍ عِشقيٍّ، لمدّةٍ طويلةٍ، قد تمتدُّ أياماً، أو أشهُراً مُتواصِلة..
العام الماضي.. غضِبَتِ السماءُ، فعاقَبَتِ الأرضَ بالإنقِطاعِ، والغياب.. تشقّقتِ التُربَةُ، وتباعَدَتْ ذرّاتُها.. جَفّتِ الينابيعُ والأنهار.. شحّتِ المياهُ.. وسادَ الجَفافُ.. واحتدَمَ العَطش.. كادَتْ بعضُ النفوسِ تقنطُ من رحمةِ السماء.. وبعضُها الآخر كان مُطمئناً إلى أنّ هذهِ العلاقةَ الأزليةَ المُتكامِلة، خالدَةٌ إلى الأبد.. ومهما غَضِبَ الحبيبُ من حبيبه، لا بُدّ منَ الرجوعِ إلى أحضانهِ، لتستمرّ الحياةُ الحقيقية..
(مايحدثُ على هذهِ الأرضِ، يغضِبُ كلّ ذي بَصيرة.. ولا بُدّ منَ العِقاب).. ( لقد كفرتِ الأرضُ بالحُبّ.. وحاوَلتِ الإستغناءَ عنِ السماء.. فاستحَقّتِ هَجرَها..).. ( لا تقنطوا من رحمةِ السماء.. فعِقابُها تربَويّ.. لتُعيدَ الأرضُ حِساباتها، وتدركَ أن ليس لها من خلاصٍ، سوى بالعودةِ إلى الإندماجِ بالسماء..)..!!
من بينِ سَواعِدِ شُجَيراتِ الزيتون، كنتُ أرفعُ رأسي قدرَ المُستطاع.. وأمدّ يديّ نحو أغصانها العامرة.. أمسكُ غصناً، ثمّ آخر.. أقطفُ الثمراتِ المُبارَكةَ، مجموعاتٍ، مجموعات.. كأنني أحلبُ بقرةً مِعطاء.. فتمتلئ الأوعيةُ،كنوزاً مُبارَكة.. عطاءً لا ينضَب.. الشمسُ تعتَلي عَرشَها الأزرق.. تكادُ تصلُ القُبّةَ العمودية.. وَصَلتها، وتجاوَزتها باتجاهِ البحر.. نسماتٌ لطيفةٌ تهبُّ بين فترةٍ وأخرى، ترطّبُ حنطةَ وَجهيَ المُتعرِّق، فأشعرُ بالإنتعاش.. تمرُّ غيمةٌ داكنةٌ فوقَ الحقل.. ترخي ظلالَها الرطبة.. أخافُ أن تمطرَ قبلَ أن أنهي عَمَلي، ويطمرَ السيلُ المزيدَ من الحَبّاتِ المتوزّعةِ تحتَ أجنحةِ أمّهاتِها.. أشعرُ بالسعادة.. فالغيمةُ تُظلّلني.. وتمنعُ عن وَجهي وظهري المزيدَ من الشعورِ بالحَرّ.. تمنحني قُبلةً رَطبة.. وتغادِرُ نحوَ الشمال.. تتبخّرُ معظمُ حَبّاتِ العرَقِ عن جبيني.. أمسحُ ما تبقّى منها عن عينيّ وأنفي.. وأتابعُ القِطاف..
أحملُ الوعاءَ، وأنا أُخفِضُ رأسي وجَسَدي تحتَ سواعِدِ الزيتونةِ المُتفرّعة.. يصطدِمُ رأسي بأحَدِ فروعِها الأفقيّة.. أشعرُ بالألمِ الشديد.. خفتُ أن أفقدَ توازني، ولا أحَد معي، أو، حتى، قُربي..
هل حَدَثَ معي ارتجاجٌ، أو نزيف..؟!! هل من المُحتمَل أن أموت..؟! وإن حصَلَ ذلك، فهل سيُنفّذونَ وَصيّتي التي أخفَيتُها في مكانٍ ما..؟! هل سيعرفُ أحدٌ أنني استدَنتُ نقوداً من صَديقتَينِ غاليتَين..؟! ومَن سيقولُ لهم..؟! هل..؟! وهل..؟! وهل..؟!
تجاهَلتُ كلّ هذا.. وتابَعتُ عمَلي.. لم أعُدْ لتلمُّسِ قِمّة رأسيَ المُتألّمة.. فقد بدأتُ أشعرُ أنّ آلامَها تخفُّ بالتدريج..
جَمَعتُ قَدراً جيداً من حَباتِ الزيتونِ الصالحةِ للتخزينِ، كمَؤونةٍ سنويةٍ، بعدَ (رَصِّها).. قلَعتُ بعضَ الأعشابِ الصغيرةِ من تحتِ الأشجار.. فبعدَ مدّةٍ ستنمو وتكبرُ، ويصعبُ علينا اقتلاعُها، وتُعيقُنا عن جَمعِ حَبّاتِ الموسِمِ المُبارَك..
أنعَشَتني رائحةُ الترابِ الرّطب.. وهذا المَدى الواسِعُ الشاسِع.. جبالٌ خضراءُ، مَطويّةٌ بيدٍ عظيمةٍ، تتصاعَدُ من عُمقِ الوادي.. قِمَمٌ تعتَليها قِبابٌ لأولياءَ صالحين.. كانوا يزرعون ويحصدون.. يُشيدونَ، ويَبنون.. يُطَوِّعونَ الصخورَ، ويُبدِعونَ ما يُساعِدهم على العيشِ في أقسى عَوامِلِ الطقسِ والظروف.. ويزودونَ عن أرضهم وأهلهم بالرَوحِ والدّمِ والعرَقِ النبيلِ، وقوّةِ المَعرفة.. إنهم أولياءُ الأرضِ والسماء..
عُدتُ إلى البيت.. تحُفّني ملائكةُ الرحمةِ، وحَمائمُ الحُبّ.. طيورُ الأمَلِ تغرِّدُ في سَمائي.. تتقافَزُ على أغصانِ الأشجارِ الصغيرةِ والمُعَمَّرَة.. والشمسُ تضفُرُ أشِعّتَها الشقراءَ، استِعداداً للمَبيتِ في أحضانِ البحرِ الأبيضِ المتوسّط.. ترمي عن كاهِلِها عَناءَ نهارٍ كامل.. لتعودَ وتُشرِقَ من جديد.. من شُرْفةِ ذلكَ الشرقِ العَريق.. بهِمّةٍ أكبر.. وقدرَةٍ مُتجَدِّدةٍ على العَطاء..
تغفو الكائناتُ، ثمّ تستيقظُ على لَمَساتِ أصابعِ الشمسِ الحانية.. تُشرِقُ الأرواح.. تتعانق.. ويبدأ نهارٌ جديدٌ خَصيب..


*كاتبة وشاعرة سورية