نظامٌ منتهي الصلاحية …

بِقَلَم ألعَميد مُنْذِر ألأيوبي*

 

لَم يَعُد يَكْفِي أن يَكون ألرئيس و ألمُشير ، ألمَلِك و ألأمير ، ألقائد و ألزعيم جالِسَآ على كُرسي ألرئاسة أو ألحُكومة ، ألوزارة أو ألإدارة مُطمئنآ ،، مَادَآ أذرُعهُ ألإستخباراتية زارِعَآ بَصاصِيه في جَسَد ألأمة و الشَعب ،، ألمُجتَمَع و ألكيان تَوطيدآ لِحُكمٍِ و إرعابآ لِمُعارضين طامِعَآ بولاية “إلى ألأبَد” ..!

لَم يَعُد مُمكِنَآ إنشاءُ أجهِزةٍ أمنيَةٍ قَمعيَةٍ ظالِمَة و مُستَبِدَة تَحت عَناوين ألأمنِ القَومي أو أمنِ الدولة ، مُكافَحة ألتَجسُس أو ألأرهاب لإستخدامِها في مُواجهة ألناسِ و ألمَجموعات أو التَجمعات بِهَدَفِ كَبْتِ آراءِها و إسكاتَها ، تَضليلَها و خِداعَها ، إرهابَها أو تَرغيبَها ..
و بِغَض ألنَظَر عَن مَدى سُهولَة أو صُعوبَة تَحْصيل ألمَطالِب ألمَعيشية ، ألمُشارَكة السياسية و ألعَدالة ألإجتماعية ، ألحُريات ألعامَة و ألفَرديَة فإن “ألجَرَة إنْكَسَرَت” وفقَ ألمَثَل ألشَعبي اي انكٍسرََت الهَيبَة ..!
لَمْ يَعُد مِن خَطٍ أحمَر و إن كانَ قانٍ مِن نَسْغِ ألدَمِ و نَسيجِ ألأبهَرِ يُخيفُ ألفُقراء ألمَعوزين ، ألُعُمال ألكادِحين ، ألطَلَبة المُحتجين، ألموظفين ألنَزيهين المَظلومين وما تَبقَى مِن رَعايا ..

تَبَدَلَ كلاسيكو ألأدَوات “عِدَة ألتظاهر”:مُكَبِرات ألصَوت، يافِطات ألقِماش، قَناني ألمازوت وعبوات ألسبراي الحَمراء والسَوداء، ألحَجَر وألبحصَة لا يَبُقُها إلا مِقلاع “ألمحلَيقة وألنقَيفة” بالعَامية وغيرها ..!
تَغَيَرَت ألْدُنيا، سَقَطَت مَناعَة ألحاكِمين أمامَ ألمَحكومين ،، فَقَدوا ألقُدرة على المُراقبة و المَنع ، التَسَلُط و القَمع ، بَرَدَت خَراطيم ألمياه ألساخِنَة ، أغمِدَت هراوات ألشرطة ألباسِلَة ، أمْسَت غَيرُ قادِرَة على تَحطيم ألأيادي ،، أما ألأسلاك ألشائِكَة فَ قَاصِرَةٌ عَن صَدِ أو مَنْعِ تَجَاوز ، قَنابِل ألغَاز صارَت مُحَفِزآ لأوكسجين ألحُرية و التَحَرُر ،، حَتى ألعَسَس لَم يَعُد بِمَقدورِهِم مُلاحَقة و مُصادَرَة مَنشورٍ أو بَيانُ مُعارَضَة وُزِعَ و طُبِعَ في لَيل ،، عَرَبات َألجُنْدِ لَن يَكفي سُمْكُ طَلاءِها لِتَجميلِها و لا حَديدها ألمُصَفَّح كَما إنحِناءات ألهَيكل في قَمعِ ثَورة أو إنتفاضَة جُمهورٍ و رأيٍ عام ..

أَصْبَحَت وسَائِل ألتَواصُل ألإجتماعي و أجهِزَة الهاتِف المَحمول بِتطبيقاته ، و ألبُلبُل ألغَريد بِتغريداته كَما ألفايس بووك و ألإنستغرام و ألواتس أب و غيرها ، قَادرَةٌ على نَقلِ الفِكرَة و التَعليق ، الصَوت و الصورة ،، باتَت هي ألأهَم كما ألأسهَل ..!! أثبَتَت فَعاليتها في ِيُسْرِ التَواصُل و عَلانية التَحريض كَما في تَفعِيلِ عَصَبيَة الجُمهور في تَكَتُله و تَجَمُعِه حَولَ كَلمَةٍ سَواء ، فإذا بِشُعاعِ ألنُور ألرَقمي يَفرُضُ إصلاحَات و يُحَقق مَطالِب ، يُقَلِص إحتِكارات و يُسقِطُ ديكتاتوريات ،، يُلامِس جَبين ألبُلدان شَرقية غَربية أو لاتينية تِلكَ التي عَانَت شُعوبها بؤسَآ و ظُلمَآ ، تَمايُزآ طَبقيآ و ضِيقَ عَيشٍ ، إحتِكارآ لِثَروات و تَبريرآ لِفَسادٍ و مُفسِدين ..!

ما أشبَه أليَوم بالأمْسِ في لُبنان ،، لا تَغَيُر يُذكَر سَواءً كانَ التَظاهر أو ألحِراك كما ألتَحرُك لِطلابٍ و عُمال ، لِنَقاباتٍ و موَظفين ، لِكَسَبةٍ و سائِقين و غَيرهم كَثيرين ،، فالمَطالِب نَفسها منذ الستينيات لا بَل تفاقَمَت و تَضاعَفَت : ” كَهرباء ، مَاء ، بيئَة ، نِفايات ، صُحة ، ضَمانٌ إجتماعيٌ و شيخوخة ، بَطالة ، تَدهور ألقيمَة الشِرائيَة ، ألتَضَخُم ، غَلاء ألأسعار ، مَجانية ألتعليم إلخ ….”

مَا زالَت ألمُعادَلَة السياسيَة اللبنانية مُنْذُ ألإستقلال عاقِرَة تُراوح مَكانَها مُجْتَرَةً الدُستور و القانون تَحتَ عنوانٍ قاتلٍ و نَظريَةٍ عٍقيمَة ” لا غالِب و لا مَغلوب “.. إذ ما فَتِأَت ألطائفية مُتَجَذِرة كَ كَلاباتِ جَزار أو “كَلَبْشات”! تُقَيِدُ ألجُغرافيا و أهلَها و ألمُسْتَقبَل ، وُلِدَ مِن رَحمِها جَنينٌ مُشَوَه “مَذهَبية” إلتَفَت كَسِلكِ نُحاسٍ على ألِرقابِ و العِباد !!

لَم يَتَمَكَن أللُبنانيون مِن إسقَاطِ ألإقطاعيات و ألزَعامات ألمُجَفْصَنَة “ألجفصين” ،، بَل حَفَظوا ألإرثَ بِبَلاهَة ألتَوارُث من ألجِدِ إلى ألإبنِ ثُم ألحَفيد ،، ما أدَى إلى ألتَحَجُر و فَشَل التَقَدُم و ألتَطور ألسياسي ، لَم يَنفع أو يُجدي أو يُصيب في ألمُعالجة و ألعِلاج ايُ حِراكٍ جَماهيري إنقاذيٍ و لا حِزبي عَلماني أو عَقائدي ، بَقيَ ألنَولُ يَغْزُل نَفْسِ ألخيطان بِنَفْس ألثَخانة و ألنَوعيَة و ألألوان لِنَفسِ ألقِماشِ ألأجْرَدِ ألخَيش ..
تَجَزَأ ألشَعبُ “شُعوبآ لبنانية” تَتَفَنَنُ في تَحديدِ ثُم تَبديلِ مرجعياتها ألخارجية و ألخُنوع ، تَنتَقي يُنبوع دَعمِها في وَجْهِ شُرَكاءِ ألأرضِ و القِيَّم ، ألعَلَم و ألنَشيد ،، تَتآلفُ حِينَآ عَلى جِبْنِ ألمَصَالِح و تَتَحَارَبُ أغْلَب ألأحيانِ في ظِلِ ديمُقراطية مُبتَذَلَة بأسمِ و وهمِ و فكرةِ سيادةٍ و إستقلالٍ ، مَصلَحَة وطنية عُليا مُهَلْهَلَة ، حُكمٌ و تَشريعُ ضَرورَة ، حِفظُ مَصالِح ألطائفة إلخ .. ألكُل قَويٌ إلا ألْوَطَن و عَلى ألْوَطَن .. سَقَطَ ألحَياء و بانَت ألمُسَلَمات إبداعاتٌ مُفَخَخة لَن تَجِد لها مَثيلآ في دوَل ألعالم ألثالث لا بَل إخترَعنا و تَبوأنا زَعامَة عَالَمٍ رابِعٍ غَيرُ مَحسوبٍ على جَدولِ و تَصنيفاتِ ألأمَم ..!

في عِلْمِ ألإنتخاباتِ أللبنانية لا مُعجِزات وَ لا تَعجيز ، لَيسَ مِن قَواعد لإتِباعها ، لا تَركيبات كيميائية لإنجازِ لُقاح ،، أو فيزيائية لإثبات نَظَريَة ،، نَتائجِ ألأخيرَة أكَدَت أنها لُزوم ما لا يَلزَم ،، لا لون ، لا طعم و لا رائحة ..
أما ألحُكومة فَحَدِث و لا حَرَج ، إذ لَيسَ عَلى ألمَريضِ حَرَج في مُطولاتِ ” ألوَزير ألمَلََك ” ما أبْدَعَك ، عُنوانها “لا تَقول فُول حَتى يَصير بالمَكيول” !! في ألبِداية أحضَرنا ألفول و ضَاعَ ألمَكيول ثُم عَثَرنا على ألمَكيول و تَسَوَسَ ألفُول “نَخَرَهُ ألسُوس”..! رِوايةٌ تُكتَبُ ،، ثَمانيَةُ أجزاءٍ حَتى ألآن ،، كُلُ جِزءٍ مَسرَحيَة من عِدَة فُصول أما ألمُخْرِج فَألمَشهَديَة لَدَيه على مَبدَأ “٦ و ٦ مكرر” ..

ألطَقسُ مَساءِيٌ شِتاءيٌ عاصِفٌ مُمْطِرٌ مُثلِجٌ بإمتياز ،، “نورما” تَضحَكُ في سِرِها هازِئةً بِنا ،، تَعَلمُ كَم مِن طُرُقاتٍ سَتُقطَع و أعمدَةٍ سَتَقَع ، كَم مِن جُدرانٍ سَتَنهار و مَجارير سَتَفيض تَليهَا تَصريحاتٍ تَستَفيض ، كَم مِن إِنزلاقاتٍ سَتَحصَل و تَزَحلُقاتٍ سَتُكْفَل ..!!
تَلتَذُ بِنا “نورما” ،، فَمَهمَا فَعَلت و أضَرَت أو آذَت “يُصَفَر” مُقارَنَةً بِما فَعَلوه … هي تَعْلَم أنَ قِلَةً لَدَينا يُحاسِبونَ أنفُسهم في كاتِدرائية ألذاتِ و ألباقونَ يَخشونَ يَوم ألحِسابِ ..! تَعْلَم أيضَآ أننا شَعبٌ في وَطَنٍ ذو نِظامٍ مُنتَهي ألصَلاحيَة …

*عَميد ، كاتِب وَ بَاحِث .