نبع السلام ..

بِقَلَم ألعَميد مُنذِر ألأيوبي*
أخيرآ و ليس آخرآ ، ألرئيس ألتركي رجبطيب أردوغانرَكَبَ رَأسَهُعبارة تعنيألعناد و ألتشبث بألرأي و في أللغةألأمازيغية Amazigh “إسغر أكايونسأيأصَمَ رأسَهُ عنادآ ..! إذ أعلنت وزارة الدفاعالتركية مساء الأربعاء ألفائِت أن قواتهاالمسلحة وقواتالجيش الوطنيالسوريألمُعارض التابع لها بدأتهجوما بريآ شمالي سوريا و شرق نهرالفرات في إطار عملية عسكرية أطلقتعليها اسمنبع السلام“… أتى بيان مكتب وزير الدفاع “خلوصي أكار” Hulusi Akar بعد أن دفع رئيس اركان الجيش التركي الفريق اول “ياشار غولر” Yaser Guller وحداته المدرعة و فرق المشاة ألمؤللة نحو الشريط الحدودي بين تركيا و سوريا الممتد على طول 480 km عبر ثلاثة ممرات أساسية بهدف التوغل داخل الأراضي السورية بعمق محدد بِ حوالي 30/35 km وفق خطة عملياته و تحطيم الهيكلية العسكرية للقوات الكردية ألمناوئة و تحصيناتها الدفاعية ، بألتالي إقامة المنطقة ألآمنة وفق قرار الرئيس اردوغان تمهيدآ لإعادة حوالي مليونيلاجئ سوري إلى بلادهم من أصل أكثر من3.6 مليون يعيشون حاليآ في تركيا على ماأُعلِن ..
 
من جهة أخرى ، تَعتبر تركيا أن “وحدات حماية الشعب” التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا منظمة إرهابية تتوائم في عقيدتها و تنظيمها و أهدافها مع حزب العمال الكردستاني الذي يخوض صراعاً وجوديَآ مسلحاً ضدها منذ ثمانينيات القرن الماضي بغية الحصول على الحكم الذاتي للأكراد في مناطق تواجدهم جنوبي شرقي تركيا و تأسيس الدولة الكردية لاحقآ ..
علمآ أن ألرئيس التركي رجب طيب اردوغان لَم يَتوانَ عن إعلانه بوضوح من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدةفي 24 أيلول ألماضي أنهيعتزم القضاءعلى الهيكل الإرهابي لحزب العمال الكردستاني و وحدات حماية الشعبالكردية و إنشاء ممر للسلامناعتآ الوحدات الكردية أنها تُماثِل التنظيمات ألارهابية المتطرفةداعِش، النصرة،إلخ..” و ذلك في مجافاة للحقيقة .. لا بل ان ألفصائل الكردية على تنوعها واجهت بشراسة المجموعات الارهابية المتشددةالمُتَجَلبِبَة رِداء الدين الحنيف جَهرآ وكُفرآ متمكنة من دحرها عندما حاولتإقتحام المناطق الكردية فيسوريا و لاحقآ تبنت القيادة المركزيةالاميركية الوسطى US-CENTCOM المسؤولة عن منطقة الشرق الأوسطالمقاتلين الأكراد فَ دعمتهم تسليحآ وأمنت لهم غطاءً جويآ معتبرة أياهُمالجهة الوحيدة الصالحة و القادرة علىمواجهة الإرهابيين بعد أن تمادى هؤلاءعبر توسيع ساحة عملياتهم نحو أوروبا وأميركا بواسطةذئابهم ألمنفردة” Lone Wolves أو ألنائمة
في سياق مُتَصل و بصرف النظر عن تفاصيل العمليات العسكرية الجارية في الميدان حاليآ بين (كَرٍ وَ فَر) لا سيما بعد أعلان الفريق “سنان يايلا” Sinan Yayla قائد ألجيش ألثاني المتمركز في ولاية “ملاطية” أن القوات التركية المهاجمة تحتاج إلى عىشرة أيام لإنهاء المرحلة الأولى من العمليَة .. فإن إطلاق تسمية (نبع ألسلام) Barış Pınarı Harekâtı على هذا ألإجتياح مناقض للواقع بلأنه وفق العلوم ألعسكرية ألغََزو ألكامل، و هو ألوسيلة ألأخيرة بغية تحقيقألأهداف ألإستراتيجية للدولة ..
إستطرادآ لم يَكُن مُستغربآ لجوء الرئيسالتركي أردوغان إلى ألعقيدة ألإسلامية كَحافِزٍ للقتال عندما أطلق على قواته إسم(ألجيش ألمحمدي) حيث كَتَب في تغريدةله قائلآ: “أقبّل كافة أفراد الجيشالمحمدي الأبطال المشاركين في عمليةنبع السلام من جباههم، وأتمنى النجاحوالتوفيق لهم ولكافة العناصر المحليةالداعمة والتي تقف جنبًا إلى جنب معتركيا في هذه العملية، وفقكم الله وكانفي عونكم“. فهوأردوغانعراب تغييرالعقيدة العسكرية للجيش التركي منألعلمانية ألمعتمدة منذ عام 1923 تاريختأسيس الجمهورية إلى ألعقيدة ألإسلاميةإثْرَ محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز2016 و إقدامه على زج أكثر من 326 ضابط في ألسجون كسجنسنجان” Sincan ألسيىء ألسمعة بينهم 126 منرتبة جنرال ضمن حملة تطهير غيرمسبوقة ..
 
سريعآ حظيت العملية التركية الهجومية للأراضي السورية بألكثير من تحليلات الاستراتيجيين العسكريين و ألإعلاميين ألبارزين كما لاقت شجبآ و إستنكارآ من معظم دول العالم و من الكيانات و المنظمات الدولية أيضآ و على رأسها الأمم المتحدة و في توقيت سابق بَدا إنسحاب جزء من القوة الاميركية ألعاملة في مناطق النفوذ الكردية بناء لقرار الرئيس ترامب بمثابة ألضوء ألأخضر لبدء ألهجوم في تلازم مع اتصال هاتفي مساء الأحد الماضي بين الرئيس ترامب و نظيره التركي أكد فيه الأخير إلتزامه عدم تجاوز القوات التركية الخطوط الاميركية المرسومة ميدانيآ لإقامة المنطقة ألحدودية ألآمنة ..
توازيآ ، تناقضت ألتصريحات و ألتغريدات ألصادرة عن ألرئيس ترامب ألتي تراوحت بين تهديد و وعيد للتركي تارةً :”سأدمر تركيا اقتصادياً إذا فكرت بضرب الأكراد” و تجاهلٍ أو تَخَلٍ مُبطن عن حُلفاء تارةً أخرى :”ربما نكون بصدد مغادرة سوريا لكننا لن نتخلى عن الأكراد و هم شعب مميز و مقاتلون رائعون ، و بالمثل علاقتنا مع تركيا شريكتنا في الناتو والتجارة جيدة جداً”.
لَكِن ألداخِل ألأميركي كان حازمآ بوجهه .. إذ أعلن قائد القوات الاميركية ألوسطى ألسابق الجنرال”جوزيف فوتيل”Joseph Votel أن الرئيس تخلى عن حُلفاء كان لهم دورآ حاسمآ في محاربة تنظيم ألدَولَة الإسلامية الى جانب القوات الاميركية .. و من غيضٌ و فَيضِ ما سُجِلَ ألتالي : وصف السناتور ليندسي غراهام حليف الرئيس ألخطوة بأنها “كارثة”.. كما كتبت المرشحة السابقة للرئاسة الأمريكية هيلاري كلينتون في تغريدة لها : “لقد انحاز الرئيس للسلطات الاستبدادية في تركيا وروسيا على حساب حلفائنا المخلصين و المصلحة الأمريكية و قراره هذا خيانة مقيتة للكرد و للقسم الذي أداه”.. المندوبة السابقة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي علقت قائلةً : “إذا أردنا أن يدعمنا حلفاؤنا فعلينا دعمهم بنفس القدر، لعبت قوات سوريا الديمقراطية دورا فعالا في حربنا الناجحة ضد التنظيم في سوريا، و تركهم لمواجهة الموت خطأ كبير”.
أما على صعيد داعِش و أخواتها ، فإن ألتصعيد ألعسكري سيمكن ألتَنظيمات ألإرهابية من العودة إلى تجميع صفوفها و توطيد نفوذها أو تثبيت مواقعها على ألخارطة خاصة إذا تمكن أكثر من 13000 سجين إرهابي من ألخروج أو الفرار من السجون الكردية لا سيما و أن أعداءها ألأكراد أصبحوا في خضم مواجهة عسكرية مُكلفة جدآ مع ألجيش التركي ..
 
في قراءة و إستشراف النتائج ، فإن ألتحليل ألمنطقي للوضع ألجيوسياسي و ألاستراتيجي للعملية التركية يمكن تلخيصَهُ عَبرَ قِراءَة ما ورد في تغريدة الأعلامي سامي كليب :
(( تركيا إنزلقت إلى الفخ السوري أولآ، دمشق تستفيد ثانيآ لأن التُركي سيصبح كالاميركي في فيتنام، و ثالثَآ لان الكُرد فقدوا إمكانية الدويلة، و رابعآ لان الإتفاق الضمني مع روسيا سيسمح بتسريع استعادة إدلب، و خامسآ لان الأتراك و الكرد سيتسابقون للتفاوض مع دمشق برعاية روسية و سادسآ لأن أميركا ستنسحب))..
تماهيآ  يمكن القول أن مشهدية اللعبةتنحو بإتجاه تغيير جذري يديره اللاعبالأساسي و آلمحوري ألرئيس بوتين الذيسَبَقَ و دعا أردوغان قبل بدء ألهجوم إلىألتفكير مَليَآ“!! في ألوضع كي لا تتضررالجهود لحل ألأزمة ألسورية ..! هذا ألتعبير و ألتغيير في أدوار أللاعبينسيؤمن قيمة مضافة لصالح الدولةالسورية في تحرير كامل أرضها ، أماألقلعة التركية فستكون مهددة بألسقوطمن على رقعة الشطرنج إذ أن قذائفالهاون ألتي أطلقتها ألقوات الكرديةبإتجاهأقجة قلعة” Akçakale ألجزءألتركي من مدينة تل أبيض مؤشر علىهشاشة ألبيادق ..
ماذا بعد ؟ لا شك أن ألأمور في بداياتها وألطموح ألتركي عبر إنشاء ألمنطقة ألآمنةثم بدء حملة ألتغيير ألديموغرافي وألتتريك ألمُمَنهَج للسكان ليس بِألأمرألسهل فَ إفتتاح بعض فروع الكلياتالتي تتبع الجامعات التركية في مدينةألباب و أعزاز و عفرين ألسورية و غيرهاتبقى تدابير قاصرة عن محو ألهويةألقومية ألسورية للسكان ..! و بألرغم منذكاء ألرئيس التركي أردوغان و إحترافِهِألبهلوانية ألسياسية على حبال ألإقليم وألقضم ألميداني ألمُتَبَع إلا أنغلطةألشاطر بألف” !! إذ أن ألإستنزافألعسكري و ألركود ألإقتصادي كذلكألعجز ألهائل في ألموازنة و إنخفاضألمردود ألسياحي إضافةً إلى تراجع قيمةالليرة ألتركية 5.6 حاليآ ربما ستكونجميعها عوامل ألسُقوط ألصاخب وألمتدحرج سياسيآ و إنتخابيآ في مرحلةلاحقة ..
ختامآ ، ألشتاء ألتركي قاسٍ و رياحالشمال و الشمال الشرقي ألسوريجَليديَة ؛ و إذا كان ألمقاتلين ألكُردإعتادوا أللَوْذَ بِ جبال كردستان و كهوفهافَإنَ ألجيش ألتركي مهما طالت إقامتهإحتلالآ سيبقى عاجزآ عن ألتأقلم معالرمال ألسورية ألمتحركة فألسيطرة لاتعني إنتصارآ ، كما أن أللاجئين وألنازحين من مناطق ألمواجهاتألعسكرية سَيُعانون ألأمَرَين سواءً كانواأكرادآ ، أتراكآ ، أشوريين ، أو سوريين ؛عربآ أم عَجَمَآ .. على أمل أن يكون ألربيعالسوري ألقادمنبع ألسلامألفعلي .!
*عَميد ، كاتِب وَ باحِث.
بيروت في 12.10.2019