“من سلسلة حكاية شارع” … شارع المعز لدين الله الفاطمي في القاهرة (1)
خاص – “اخبار الدنيا”
بقلم : دانيا يوسف*
من قلب القاهرة التي لا تنام، ومن أعماق تاريخها، سنتجول في شارع هو بمثابة متحف مفتوح، شاهد على عصور مضت، إنه شارع المعز لدين الله الفاطمي.
ندخل الآن من بوابة باب الفتوح الضخمة، حيث تبدو التماثيل الحجرية وكأنها تحرس المكان منذ ألف عام. تحت أقدامنا أرضية مرصوفة بالحجر، وعلى جانبيّ الطريق، تقف المباني الإسلامية بشموخ، تحكي من خلال نقوشها وآياتها القرآنية وأقواسها حكايات لا تنتهي. روائح البخور والعطور الشرقية تملأ الهواء، ومزيج من أصوات الزائرين من كل أنحاء العالم وأصوات الأذان التي تتعانق من فوق مآذن الجوامع العتيقة. هذا هو عالم شارع المعز السحري.
لكن لماذا سُمي هذا الشارع بهذا الاسم؟ القصة تعود إلى العام 969 ميلادية، عندما قرر الخليفة الفاطمي المعز لدين الله إرسال قائده العسكري جوهر الصقلي لبناء عاصمة جديدة لدولته في مصر. وبالفعل، وضع جوهر أساسات المدينة المحصنة التي سُميت في البداية “القاهرة المعزية” نسبة إلى الخليفة المعز.
وعندما انتقل المعز بنفسه من المغرب إلى مصر، دخل منتصراً من بوابة الفتوح، وسار في هذا الشارع الرئيسي الذي كان يقطع المدينة من شمالها إلى جنوبها. فكان من الطبيعي أن يُنسب الشارع إليه، ليصبح “شارع المعز”، شاهداً على لحظة تأسيس واحدة من أعظم العواصم في التاريخ الإسلامي.
السير في شارع المعز هو قراءة لكتاب تاريخي حي. كل خطوة تقودك إلى تحفة معمارية جديدة:
على يمينك ويسارك، تجد الجامع الأزهر، الذي بناه جوهر الصقلي ولم يكن مجرد مسجد للصلاة، بل أصبح أحد أقدم الجامعات في العالم وأشهرها.
ثم هناك مجموعة قلاوون الضخمة، التي تضم مسجداً ومدرسة ومستشفى وضريحاً، وهي تحفة من تحف العمارة المملوكية.
ولا ننسى وكالة الغوري، التي كانت في الماضي مركزاً تجارياً وسوقاً للمنتجات القادمة من الشرق والغرب، واليوم أصبحت مسرحاً لأهم الفعاليات الفنية.
وبالطبع، باب زويلة، تلك البوابة العملاقة في نهاية الشارع، والتي شهدت أحداثا تاريخية هامة.
“هل تعلم؟”
– هل تعلم أن شارع المعز يعد أكبر تجمع للآثار الإسلامية في العالم بأكمله؟ فهو يضم ما يقرب من 30 أثراً إسلامياً خالداً.
– وهل تعلم أن اسم “المعز” هو اختصار لـ “المعزز” أو “المعظم”، وهو لقب أطلق على الخليفة تكريماً له؟
– هل تعلم أن عملية ترميم الشارع واستعادته لرونقه استمرت لأكثر من 15 عاماً، بتكلفة تجاوزت المليارات، ليظهر بهذا الشكل البديع الذي نراه اليوم؟
– هل تعلم أن هذا الشارع كان مغطىً بسقف من الخشب في العصر الفاطمي لحماية المشاة من حرارة الشمس؟ وكان يضاء بالمصابيح ليلاً ليبدو كأنه حلم!
شارع المعز ليس مجرد طريق نعبره أو موقعا سياحيا نزوره. إنه شريان التاريخ النابض، وذاكرة مصر الحية، وشاهد على عصور من الحضارة والعلم والفنون ازدهرت على هذه الأرض الطيبة. إنه المكان الذي لا يزال يتنفس قصص الخلفاء والقادة والتجار والمبدعين.
هذا الشارع هو متحف مفتوح، يضم بين جنباته كنوزا معمارية لا تقدر بثمن، وشاهدا حيًا على عصور مضت، حفرت اسمها بحروف من نور في سجل الحضارة الإسلامية.
———————————-
اعلامية، رئيسة القسم الثقافي في موقع “الدنيا نيوز”.