ما هي عاشوراء؟ ولماذا تبدأ من غُرّة محرّم ؟

 

 

بقلم : السيد صادق الموسوي*

في العاشر من شهر محرم الحرام وعلى أرض تُسمى ” الغاضرية ” كانت المواجهة العسكرية بين جيش يزيد بن معاوية مع الحسين بن علي سبط رسول الله صلى الله عليه واله وأصحابه المعدودين.
والسبب في ذلك أن يزيداً كان قد تمّ فرضه بالتهديد والوعيد على الأمة، وعلى حلاف ما تعهد به معاوية بن أبي سفيان في الإتفاقية التي وقعها مع الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، والتي نصّت على أن الحرية تبقى للأمة بعد معاوية لتختار من تريد دون إكراه، لكن معاوية قدم إلى المدينة المنورة بعد ذلك وجمع الناس وفيهم الشخصيات البارزة من الصحابة والتابعين وسلط على كل من الرموز الأساسيين الحاضرين واحداً من زبانيته مهدداً إياهم بالقتل إن أبدوا اعتراضاً أو معارضة لما سيعلنه معاوية، وهناك أعلن إبنه يزيداً ولياً للعهد من بعده، وهو الدي كان مشهوراً لدى عامة المسلمين بعدم التزامه بأيٍ من الفرائض الدينية بل إنه كان مجاهراً بارتكاب المعاصي.
إن الإمام الحسين عليه السلام واحتراماً لتوقيع أخيه الحسن على الإتفاقية لم يُبدِ معارضة في وقته، لكن بعد موت معاوية وتكليف يزيد ولاة البلاد بأخذ البيعة له من الناس طوعاً أو كرهاً، واستدعاء والي المدينة لسبط رسول الله صلى الله عليه واله وسيد شباب أهل الجنة في جوف الليل ليأخذ منه البيعة، حيث امتنع عليه السلام عنها وترك قبل حلول الفجر جوار جده النبي صلى الله عليه واله إلى مكة المكرمة فراراً من الأزمة التي ستحدث لو شاع خبر امتناعه عن البيعة ليزيد، لكن بلوغه مكة المكرمة صادف بدأ وصول طلائع حجاج بيت الله الحرام من أطراف الدنيا، وهناك التفّ الناس حول الإمام كونه البقية الباقية من ذرية خاتم النبيين وأحد سيدَي شباب أهل الجنة، واضطربت الأوضاع بتوافد مزيد من قوافل الحجاج والتفاف جموع الناس حول الإمام.
شعر يزيد من خلال التقارير التي كانت تصله من عيونه والمتزلفين إليه بخطر داهم على سلطته، فقرر اغتيال الحسين ” ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة “، ما دفع الإمام للخروج من مكة قبل يوم واحد من شروع أعمال الحج من أجل تفويت الفرصة وتحاشياً لهتك حرمة بيت الله الحرام والشهر الحرام متجهاً نحو الكوفة التي كانت قد رفضت حكم يزيد قبل ذلك.
لقد أرسل أهل الكوفة آلاف الرسائل يدعون فيها الحسين للقدوم إلى مدينتهم وتسلم زمام الأمور فيها وعاهدوه على أن يساندوا حركته لإصلاح الأمة، فكان أن أرسل الإمام ابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة ليعرف حقيقة الأمر هناك.
ما أن وصل مسلم إلى الكوفة وسمع الناس بوجوده بينهم حتى التفّت الجموع حوله وبايعوا الحسين من خلاله، وبعد تأكد مسلم من صحة بيعتهم وثقته بوفائهم بالبيعة أرسل إلى الإمام طالباً منه أن يَقدم إلى الكوفة، لكن أخبار هذا الجوّ الشعبي العارم كانت تبلغ تباعاً يزيداً في الشام، فعلم أن خروج الكوفة إحدى أهم ركائز الدولة الإسلامية من سلطته ستكون البداية لجرأة باقي الأمصار على التمرد ورفض الإنصياع لخليفة الشام، لذلك بعث إلى أشرس الناس وأكثرهم بطشاً وإجراماً عبيد الله بن زياد الذي كان والياً على البصرة وضم الكوفة إلى ولايته وكلفه إخماد الثورة بأي ثمن.
إن أهل الكوفة كانوا ينتظرون بفارغ الصبر قدوم الإمام الحسين عليه السلام من جهة مكة المكرمة، وإذا بعبيد الله القادم من جهة البصرة يدخل الكوفة من جهة مكة ملثماً عليه علامات الوقار، فحسبه الناس أنه الحسين، فصاروا يلتفون حوله مرحبين بقدومه، وهو يردّ على تحاياهم من دون أن يبين حقيقة شخصيته، وسار في شوارع وأزقة الكوفة والناس من حوله بالمئات يحيّونه بكل حرارة حتى بلغ دار الإمارة الملاصق للمسجد الكبير والتي فيها الوالي المعيّن من طرف معاوية في أواخر أيامه والمتقوقع داخل قصره بعد التفاف عامة الناس حول مسلم بن عقيل.
ولما بلغ ابن زياد القصر وطرق الباب اعتقد الوالي النعمان بن بشير أيضاً أن القادم هو الحسين فنادى من وراء الباب: ” أنشدك الله إلاّ تنحّيت عني، ما أنا بمسلّم إليك أمانتي، ومالي في قتالك من أرب “، لكن ابن زياد بعد بلوغه المكان الآمن كشف اللثام عن وجهه ما صدم مرتين الحشود الكثيفة الملتفة حوله من أنصار الحسين عليه السلام، حيث فوجئوا أولاً بالخدعة من حيث أن ابن زياد هو قادم في الحقيقة من جهة البصرة لكنه حرف مساره ودخل الكوفة من طريق يأتي منه القادمون من جهة مكة المكرمة والمدينة المنورة، وثانياً لأنه بقي ملثماً طوال المسير داخل الكوفة وهو يرد التحية على الجماهير الحاشدة وكأنه هو الحسين عليه السلام، لكنه في آخر لحظة كشف اللثام عن وجهه وأبان حقيقة شخصيته، وهو المعروف لدى الناس بالبطش والقسوة وضرب الرقاب، وهو يحقد على آل الرسول صلى الله عليه وآله أشد الحقد، لكن كل ذلك لم يؤثر في تظافر الناس وبقائهم على البيعة للإمام الحسين عليه السلام.
ولأجل ترويع الناس أشاع بينهم أن جيشاً كبيراً من الشام قادم نحو الكوفة، وهنا ساهم القلة من المنافقين في المدينة في بثّ أجواء الرعب والخوف بين الناس داعين الناس إلى الإختباء في بيوتهم وعدم المغامرة بحياتهم.
إن ابن زياد ومن أجل إخافة الناس وإرعابهم وتشتيت الصفوف المتراصّة بدأ باستدعاء رؤوس الشيعة في الكوفة وأبرز الموالين لأهل البيت من قبيل مسلم بن عوسجة وهاني بن عروة، حيث كان مسلم بن عقيل قد نزل في بيت ابن عوسجة أول وصوله الكوفة، وهناك تهافت الناس وتكاثروا وبايعوا الحسين على يد مسلم بن عقيل حتى بلغوا ثمانية عشر ألفاً، أما هاني فإنه كان ملجأ مسلم بعد خروجه من دار ابن عوسجة وانكشاف أمره في منزل المختار الثقفي، وكان الرجلان ابن عوسجة وابن عروة من رؤوس قبائل الكوفة الأساسيين، فبعث إليهما ابن زياد واحداً واحداً وطلب الإجتماع بهما، ولم يتصور أحد أنه سيجرؤ على قتلهم شرّ قتلة، لكن ذلك حدث بالفعل وبطريقة وحشية لا نريد التوسع فيها.
ونتيجة فرض أجواء الرعب بين الناس، وتحت تأثير الإشاعات الواسعة، وبعد إلقاء رؤوس كبار زعماء قبائل الكوفة من على سطح دار الإمارة، وبسبب ضعف إرادة المبايعين وعدم ثباتهم على مواقفهم فقد تفرقت الصفوف وانفضّ الناس من حول مسلم بن عقيل وانتهى أمره إلى أن تمّ القبض عليه والإتيان به إلى ابن زياد ورفعه إلى سطح دار الإمارة وقطع رأسه أمام أعين المتجمعين هناك وإلقاء الرأس والجسد بين الحشود.
إن وجهة المسيرة الحسينية الإصلاحية انقلبت كلياً بعد مقتل مسلم بن عقيل ووصول الخبر إلى الإمام الحسين عليه السلام وهو في الطريق، لكن الهدف لم يتغير بتاتاً حيث كان المقصد هو وقف حالة الردّة الصريحة عن شريعة الإسلام من قبل يزيد بن معاوية وإعادة الحياة للدين الحنيف الذي لم يبقَ منه سوى الإسم فقط، ومن أجدر للقيام بهذه المهمة المصيرية وإنقاذ الأمة الإسلامية حاضراً ومستقبلاً من بقية العترة المطهرة وسيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام ؟.
إن تغيّر مسار الصراع أثّر في نفوس كثير من الذين رافقوا الإمام مع انطلاقة مسيره من مكة المكرمة والذين التحقوا به أثناء الطريق، فكثيرون كانوا يتوقعون وصول الحسين إلى السلطة فأملوا أخذ نصيب من المناصب أو نيل بعض المكاسب، لكن التحول الذي حصل بعد وصول نبأ مقتل مسلم بن عقيل وخاصة بعد وصول جيش كبير بقيادة الحرّ الرياحي ومهمته القبض على الحسين ومن معه قبل وصولهم إلى الكوفة أو القضاء عليهم، ومحاصرة هذه القوة العسكرية لموكب الإمام عليه السلام، وبعد مناقشات ومفاوضات حدث تحول نسبي في مهمة جيش ابن زياد، حيث صار الإتفاق أن لا يتوجه الإمام ومن معه إلى الكوفة ولا يؤذن لهم أن يعودوا إلى المدينة المنورة وأن يرافقهم الحرّ الرياحي وجنوده إلى موقع آخر فكان الوصول إلى أرض” الغاضرية ” التي سمّيت بعد ذلك ” كربلاء ” يوم الثالث من شهر محرم من العام ٦١ هجري.
وهنا تذكر الإمام الحسين ما كان أخبره جده رسول الله صلى الله عليه واله قبل خمسة عقود من وحي جبريل الأمين بما سيصيبه في هذه الأرض مستقبلاً، فنزل في الموقع المحدد ونصب الخيام وهو يريد بذل كافة الجهود لكي لا تُهتك حرمة الشهر الحرام كما أنه تحاشى هتك حرمة البيت الحرام بخروجه من مكة قبيل شروع مراسم الحج والوقوف في عرفات، لكن الطرف الآخر لم يأبه بأية ضوابط أخلاقية أو أحكام شرعية، حيث كان الأشهر الحُرُم موضع التزام شبه كامل من قبل المشركين قبل أن يصادق عليه الدين الإسلامي ويُحرّم فيه الشروع في القتال، إلاّ أن يضطر المسلم إلى الدفاع عن نفسه وعرضه.
لقد أرسل ابن زياد مزيداً من الجنود إلى كربلاء بقيادة عمر بن سعد وكلفهم بمهمة أخذ البيعة من الحسين أو إلقاء القبض عليه وإن رفض الإنصياع فيجب القضاء عليه هو ومن معه وأسر أسرته والقدوم بهم إلى الكوفة.
وبدأت المفاوضات بين مبعوثي الإمام الحسين عليه السلام وعمر بن سعد لتأجيل القتال احتراماً لقدسية الشهر وتفادياً لإراقة دماء المسلمين من الطرفين، لكن القرار النهائي ليزيد وابن زياد كان بلوغ الغاية بأي ثمن وبأية وسيلة ممكنة من دون الأخذ بالإعتبار شخصية سبط رسول الله صلى الله عليه واله، وكذلك حرمة إراقة دم المسلم في كل حال وحرمة الشهر الحرام .
وبدأ الحصار المائي والغذائي الكامل على الحسين وأسرته وأيضاً من بقي مع الحسين يوم السابع من محرم لعل ذلك يُجبر الإمام على الخضوع وقبول سلطة يزيد بن معاوية.
وتتالت المفاوضات وتواصل وصول الجنود والمرتزقة، وتسلم قيادة الجيش عمر بن سعد، حتى كان يوم العاشر من شهر محرم الحرام عام ٦١ هجري، وفي الصباح الباكر أطلق ابن سعد السهم الأول من طرف جيش ابن زياد صوب خيام الإمام الحسين مباهياً قائلاً لمن حوله: ” إشهدوا لي عند الأمير أني أول من رمى السهم على خيام الحسين “، لكن ذلك لم يكن كافياً ليعطي الإمام الحسين مبرراً شرعياً للبدء بالقتال ويأذن لأصحابه بالبراز.
بعد ذلك بدأت السهام تنهال على الخيام حتى فزع النساء والأطفال؛ وعند ذلك اضطر الإمام للإذن بشروع المجابهة ودخول ساحة المعركة، ومن هذه النقطة يشرح الخطباء وقراء المقاتل التفاصيل ولا داعي لسرد ذلك في هذا المقال.
لقد بذل الإمام الحسين أغلى ما عنده من الأبناء والإخوة والأصحاب ورضي هو باللحاق بهم وأن يُلقى صريعاً على أرض ” الطف “، لكن تلك المجابهة وحركة أسرى آل بيت النبوة في الكوفة والشام وأثناء الطريق أدّتا إلى نشوء حركات اعتراضية متعددة في أمصار مختلفة ضد سلطة يزيد الظالمة، حتى أن ولده معاوية الثاني الذي استلم الأمور بعد مقتل أبيه أعلن فور تعيينه أنه يتخلى عن المنصب لأنه غير شرعي وهو من حق آل بيت الرسول صلى الله عليه واله، وانتقلت السلطة بعد ذلك إلى آل مروان بن الحكم طريد رسول الله صلى الله عليه واله، وبدأت التداعيات وتتالت الثورات حتى انهار الحكم الأموي بعد سنوات معدودة من دون رجعة.
إن أئمة أهل البيت عليهم السلام دأبوا على تسليط الأضواء أكثر على الثورة الحسينية من بين عشرات المناسبات التي لها شأن عظيم في الإسلام، وجهدوا على حضّ الناس على إحياء الذكرى، وتحمل كثير من المخاطر في سبيل ذلك، والتوسع في بيان ما جرى بحق سيد الشهداء عليه السلام وأصحابه البررة، وكان أن بانت ملامح الحزن على وجوه الأئمة جميعاً مع كل هلال شهر محرم واتشحت بيوتهم بالسواد حزناً على الإمام المظلوم، حتى اصطبغت السنة الهجرية بلون الثورة الحسينية بمرور الأيام، ومع بداية كل عام هجري صار المسلمون المحبون للرسول وأهل بيته عليه وعليهم الصلاة والسلام يعيشون في أجواء الثورة التي أشعلها سيد الشهداء ضد الطغيان والفساد والملحمة البطولية التي صنعها في وجه الحاكم الجائر، وإن كان هذا الطاغي والفاسد والجائر يلبس زوراً لباس خلافة رسول الله صلى الله عليه واله، فكيف يا تُرى يجب أن يكون حال المسلمين اليوم عموماً والذين يعشقون الحسين سيد شباب أهل الجنة اليوم في لبنان على الخصوص مع السلطة الظالمة والكافرة التي تمارس أبشع أنواع الظلم بحق الشعب المسكين وتنهب قوت يومه وتهين كرامته وهي أيضاً كافرة بجميع القيم الني ينادي بها الدين الإسلامي الحنيف بل والشرائع السماوية قاطبة، والحال أن كل من تلى يوماً القرآن الكريم ليستلهم من كتاب الله نهج الحياة، ويعرف من وحي السماء طريق الهدى، ويسير بهدي خالق الخلق على الصراط المستقيم، فإنه قد مرّ حتماً على آية فيها يتعين بصورة قاطعة واجب عامة المسلمين وهي قوله تعالى: ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ).
فإلى إحياء عاشوراء الحسين عليه السلام على أوسع نطاق مع كل غرّة محرم، وإلى استلهام روح الحرية من سيد الشهداء وسبط سيد المرسلين، وإلى التعرف على الإسلام الأصيل من خلال السير على منهج آخر من أبانت منزلتهم آية المباهلة ونزلت من عند الله فيهم آية التطهير.

—————-

محقق ومعدّ كتاب تمام نهج البلاغة