لبنان والحاجة الى الفوضى

 

بِقَلَم ألعَميد مُنذِر ألأيوبي*

لم يعد من داعٍ للتفاجؤ بأن السياسيين اللبنانيين يسلكون درب الفوضى الشاملة، وبالتالي دفع الوطن الى الزوال بعد السقوط، وذلك في قرار مرجعه أصلآ ايصال الشعب البائس الى “فاقةٌ بعد عز”. اما تصنيفهم او توصيفهم بإنتهاء المئوية الاولى فامر سهل يعود لاسباب و تجارب شتى، ليس اقلها حالة اللا حياء في إرتكاب المعاصي، كما انعدام الحس الوطني والولاء من حاملي جوازي السفر او الجنسيتين وهم كثر باتوا يشكلون الطائفة التاسعة عشر، كذلك اللا الوفاء للشعب الذي والاهم وانتخبهم مع عدمية القناعة إما عن حسن نية او لمصالح شخصية. في الخارج عن المألوف النوعي، يمكن اعتماد مبدأ التصنيف ألإئتماني Credit Rating المستخدم في عالم الاقتصاد المال والاعمال، وهو بالمختصر تقدير جدارة تجريه وكالات متخصصة لتحديد اهلية وكفاءة “جهة، شخص كيان” تسديد ديونها/ه وفقآ للقدرة المالية والثقة الخ … مما يعني ان معظمهم مسؤولين و سياسيين خارج الاهلية المتوجبة “لا ثقة” او الصلاحية النوعية Reliability Qualitativ سواءً لقيادة البلاد والعباد او لادارة مؤسسات الدولة واجهزتها.

في الرعاية المفروضة للمجتمع واحواله، فإن العَرَج يسقط ألفَرَج لإنتفاء الارادة بالمعالجة، مما أدى الى تلف النسيج الاجتماعي و انهيار خلاياه النقابية والطلابية الخ.. و بالتالي تضيق شرايين الاحوال المعيشية والاقتصادية في المركز و الاطراف، اما المضاعفات الاهم فكانت في نزيف تعذر وقفه أهدر الاموال العامة وسلب الناس مدخراتهم دون ان يرف جفن .

 

لكن مراجعة التاريخ المرضي لهذا الكائن “اللبنان” يظهر بوضوح ان امراضه مزمنة Chronic Diseases متأصلة في الجسد و متجذرة في الفكر و النفس، و لطالما كانت معاناته تأتي من سوء أداء الاطباء او فشلهم واهمالهم فيزداد الالم من قساوة الاوضاع و ترتفع حرارة الجوع والفقر، اما نوبات “الطحن الذاتي” Self-Grinding فتوالت على مراحل زمنية متقاربة الفواصل، كان من اهم معالجاتها جراحة في مركز الطائف للأمراض المستعصية، استأصلت اورامآ مذهبية من النوع الخبيث ووحدت او وازنت حجم افرازات الصلاحيات بين الغدد الثلاث الرئيسية المصنفة مذهبيآ إثر حرب اهلية ضروس.

من جهة اخرى، لم يكن العلاج النفسي المفترض بعد جراحة الاستئصال مفيدآ، إذ تفاقمت المشكلات الصحية النفسية Psychiatric Illness، كحالات الادمان على الفساد و الشراهة في سرقة موارد الخزينة، اما الاضطرابات من نوع القلق والوسواس القهري OCD فتفشت في مسؤولي الصف الثاني والثالث اي جباة المال المعنيين بتنفيذ رغبات كُتُر من قيادات الصف الاول، المصابين باضطراب الشخصية الاتكالية والفصام Schizophrenia المسبب انفصالآ عن الواقع. كما توانت الطبقة الحاكمة والاوليغارشية المرافقة لها او المندمجة معها عن الاستجابة لواجباتها في تخفيف القلق او التوتر عن شعوبها، تاليآ فشلت في التكيف مع تغييرات الحياة الكبرى “انفجار قتل المئات واصاب الالاف مدمرآ ثلث العاصمة، ثورة 17 تشرين” الخ.. أما ردود الفعل مثل الغضب من ممارساتهم المترجم في ساحات الحرية تعبيرآ و تظاهرآ، فأُسقِطَ بالتصرف العدائي السلبي من مندسين مأجورين بقايا ميليشيات و غيرهم من عملاء الاجهزة محلية كانت ام خارجية، غربية الانتماء او شرقية الولاء..!

هذه اللامبالاة القاتلة حاملة صفة العناد السياسي المبتذل لنمطية الاعداد « ثلاث 6 و المجموع 18 » او لولاء التسميات على سبيل المثال، اضافة الى إفشال التدقيق الجنائي واستعادة الاموال المنهوبة، مع قيمة مضافة تصرف وفق تطورات الاحداث كعمليات الاغتيال والاعتداءات الارهابية الموضعية المدروسة او تلك المحضرة غب الطلب. فقد بات من الاصح ترجمتها بعبارة “الحاجة الى الفوضى”.


من جهة اخرى، فإن غرق الكائن الجغرافي من وزن 10452 دون احتساب مساحة المياه الاقليمية البحرية والمنطقة الاقتصادية الخالصة الملحقة به في صراعات المحاور الاقليمية، مع التزام نهج مخطط مدروس قاتل ذاتيآ رسمه كهنة الخارج لِخَدَم المذبح في الداخل، ناتج بحده الادنى عن ندرة القوى الادراكية تقارب العدمية الفكرية للوعي الاستراتيجي في ادارة و توحيد مصالح الوطن، ادت الى عزلة مفروضة معتمة ارتضاها الجميع إستعرافيآ Noegenetic ارتبطت ووُصِفَت مؤخرآ في قصر الصنوبر بالخيانة..!

إستطرادآ؛ تفاقم الجنون او السلوك الهدام الى حد عدم قدرة المنقذ الفرنسي على استيعاب لا معقول لاستمرارية الاخطاء الواقعية او المنطقية المرتكبة؛ وفي تحليل علمي غير سياسي، بدا له انهم يخضعون لموجات من اجترار الافكار، كما يعيشون حالة مرضية شبيهة بِ “كراهية الذات”Self-loathing- هي ذات الوطن المسحوق. فالرغبة واضحة في إيذاء النفس، كراهية ناتجة عن دوامة سلبية غير مستقرة من عدم تقدير قيمة وطن استحق حب الابعدين قبل الاقربين، استضاف لاجئين ونازحين الى حد افلاس اهل البيت الساكنين..!

في سياق متصل؛ عاد القلق الامني ليطفو على السطح على خشية من حالة تخدير للجيش والاجهزة الامنية مع محاولة رشوة موصوفة ستتدحرج ككرة الثلج، اذ اعلن وزير الداخلية عن حالة تلاشي الامن ومسؤولين آخرين عن خشية عودة الاغتيالات “لشخصيات لميعة” على ما وصف احد نواب الامة، مما ادى الى تفاقم الهواجس لتزداد الحالة سوءآ؛ ولو بقيت الذئاب في كهوفها..!

السؤال الذي يبقى مطروحآ هل العلاج ممكن..؟ الاعلانات عن اصناف الادوية متشابهة الى حد ما، اذ أعلنت وزارة الخارجية الاميركية يوم امس ان الشعب اللبناني يستحق الاصلاحات، توازيآ صرح وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان “ان الوقت ينفذ لانقاذ لبنان، وان السياسيين اللبنانيين فاشلين”، أما الخارجية الروسية ففي بيان صادر عنها ورد التالي: “ان وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف التقى خلال زيارة العمل التي يقوم بها إلى أبو ظبي، رئيس حكومة لبنان سعد الحريري الذي تم تكليفه من الرئيس ميشال عون لتشكيل حكومة جديدة إثر الاستشارات النيابية للكتل البرلمانية في البرلمان اللبناني، وجرى البحث بشكل معمق في وجهات النظر بالنسبة لوضع حد للوضع المتأزم في لبنان، مع التركيز على أهمية الإسراع في اجتياز الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، من خلال تشكيل حكومة مهمة قادرة من التكنوقراط”.. مجموعة الدعم الدولية فأعربت عن «القلق من مرور سبعة أشهر منذ استقالة الحكومة الأخيرة، ما أعاق قدرة لبنان على معالجة التحديات السياسية والاجتماعية والمالية والاقتصادية والمؤسساتية المتفاقمة والتي تزداد تعقيدا، وعلى تلبية الحاجات والتطلعات المشروعة للشعب اللبناني».

خِتامَآ و في استنتاج بعيد عن التاويل، يبدو ان كل هذه المناشدات والدعوات كما مساعي التوفيق المتعثر لاصلاح ذات البين، لن تؤدي ولا تشكل حافزآ لولادة الحكومة انقاذآ للبلد و آهله، فالامور معقدة والخيوط متشابكة و لاغرابة طالما ان الاصل “اهل البيت” بالطبل ضاربين..! يقول كثر من مواطنين تجاوزهم الفقر الى اليأس، ان الحاجة باتت الى الفوضى الشاملة على قول المثل “اذا ما خربت ما بتعمر”. تاليآ ان إستنكاف اطراف الخارج الدولي او الاقليمي عن محاسبة الفاسدين و هز العصا للمتلكأين يجعل التساؤل مشروعآ، هل يضمرون مراد “الفوضى الشاملة” لمآرب شتى على غير ما يظهرون ..؟

*كاتب وباحث في الشؤون الامنية والاستراتيجية.

بيروت في 12.03.2021