عن “لبنان الاشتراكي”…

 

 

 

بقلم : توفيق شومان*

صار اللبنانيون ينتظرون البطاقات التموينية، كما كانت تفعل الشعوب التي حكمتها الأيديولوجية الاشتراكية.
وبات اللبنانيون يخشون افتقاد السكر والزيت والأرز وغيرها من السلع الغذائية الضرورية ، كما كانت تخشى الشعوب التي اجتاحتها الاشتراكية .
كانت الشعوب التي رزحت تحت حكم اليسار المتطرف من مثل الإتحاد السوفياتي وغيره ، تحلم بالهجرة من اقفاص الاشتراكية ، فلا أمل لديها سوى بالخروج من تلك الأقفاص ، وهكذا غدا اللبنانيون، اذ لا بارقة أمل لديهم الا بمغادرة لبنان.
صار لبنان اشتراكيا ، بعدما لفظت الاشتراكية أنفاسها في مهدها ، من الإتحاد السوفياتي إلى الصين ، ومن أوروبا الشرقية إلى فيتنام التي على الطريق.
لا داعي لإعادة استحضار سنوات الإزدهار اللبناني ، اقتصادا وفنا وأدبا وفكرا وإعلاما وحيوية مختلفة الإتجاهات والمشارب ، لم تناظرها سوى مصر في النصف الأول من القرن العشرين.
كان في الاتحاد السوفياتي ” عصابة الحزب ” ، تتحكم في كل شيء ، وفي الصين ليس عبثا أن يطلق التصحيحيون والمجددون على زوجة ماو تسي تونغ ورفاقها صفة “عصابة الأربعة ” بعدما حاولت إعادة عقارب الزمن إلى المرحلة الشيوعية وثورتها الثقافية.
هذا بعض من النماذج الاشتراكية:
في الإتحاد السوفياتي كان ثمة سعران للدولار الأميركي ، السعر الأول تحدده الدولة وقيمته 70 كابيك في آواخر السبعينيات ، فيما سعره في السوق السوداء كان أربع روبلات .
المشهد نفسه في لبنان الآن : اربع اسعار وأكثر للدولار الأميركي ، ومثلما كانت الدولة السوفياتية تسطو على ” روبلات ومدخرات ” البروليتاريا ” تعمل المصارف اللبنانية بحماية الدولة اللبنانية على مصادرة مدخرات وإيداعات اللبنانيين بفئاتهم وطبقاتهم كافة.
لا أحد كان يجرؤ على الإقتراب من إيداعات الحزب الحاكم في الإتحاد السوفياتي ، ولا أحد لديه جرأة اقتراب التفكير من ايداعات القوى السياسية في لبنان .
كان أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية وكبار القياديين في الحزب الشيوعي السوفياتي ، ينعمون ويترفهون في ” فردوسهم الإشتراكي ” ، ويجلبون ألبستهم وأغذيتهم وعطورهم وأحذيتهم من الخارج ، ويستقطرون على ” الجماهير” كفاف يومهم أو أقل.
يروي محمد حسنين هيكل في كتابه ” بين الصحافة والسياسة ” ، أنه كان في زيارة إلى الإتحاد السوفياتي برفقة الرئيس جمال عبد الناصر ، ولما كان للأخير لقاءاته الخاصة مع زعماء الكرملين ، تم ترتيب برنامج خاص لمحمد حسنين هيكل ، من ضمنه رحلة إلى بحيرة كبيرة لإصطياد الأسماك ، وما أن وضع هيكل صنارته في البحيرة حتى التقطت سمكة كبيرة ، وإذ كرر المحاولة نال ما سبق نيله ، وفي المحاولة الثالثة نصيب كما نصيباه الأولان ، فهطلت عليه الدهشة ومعها العجب والإستعجاب فسأل : ما الخطب ؟ فأجابه مرافقه الروسي : هذه البحيرة مخصصة لكبار القادة الشيوعيين في الدولة .
هكذا كان يتنعم القادة الشيوعيون
مثلما يتنعم القادة اللبنانيون
كان السؤال ممنوع هناك والسؤال ممنوع هنا
وهذه قصة ثانية يرويها محمد حسنين هيكل ، وهذه المرة من كتابه ” عبد الناصر والعالم ” ، وفي الكتاب يقول :
كان لرئيس يوغوسلافيا الشيوعي جوزيف بروز تيتو (1892 – 1980) جزيرة خاصة اسمها ” فانجا ” ، يقتني فيها القرود النادرة ، ويختزن في أقبيتها الخمور المعتقة ، ومزروع في أثلامها أطيب الأشجار المثمرة المجلوبة من كل أنحاء العالم ، وفي تربتها أزكى أنواع الخضار وأفضلها ، وقد ملأ تيتو هذه الجزيرة بالطيور العجيبة والحيوانات والديوك البرية والطواويس الغريبة التي تمد أذيالها الملونة متبخترة ومتعجرفة ومتغطرسة.
كان محمد حسنين هيكل يلقب جوزيف بروز تيتو ب “الملك الشيوعي ”
تماما مثل “ملوك” السياسة في لبنان
لهم إقطاعياتهم وقصورهم ورفاه عيشهم ورغد معيشتهم ولأغلب اللبنانيين القلة والحسرة والشكوى .
في الإتحاد السوفياتي وسائرالدول ” الرفيقة ” في المنظومة الإشتراكية ، كانت حركة الأموال مقيدة ، فخروج الأموال محال ، ومن كان يتسلط على الدولة يستبيح ما يشاء من تهريب وتغريب للمال ورأس المال ، وبما يشبه أفعال وأرذال ناهبي الأموال المنهوبة في لبنان ، أولئك الناهبون الذين أفرغوا البلاد من ثروتها وحصنوها في بلاد الغرب القصية والنائية ، فلا يطالها طارق بن زياد إذا تخيل فتح الأندلس مرة ثانية ولا هنيبعل القرطاجي إذا تطلع مجددا إلى الزحف نحو روما .
اختلف معظم قادة لبنان على كل شيء واتفقوا على تهريب الأموال
اتفقوا على تهريب الأموال ليتساوى الناس بالفقر ، فالإفقار اساس العدل.
و ” العدل بالإفقار ” على غرار النموذج الإشتراكي ، لايقتصر على دعة عيش كبار الحاكمين وغضارة حياتهم والتنعم بسعة الغذاء وطيباته ، وإنما يشمل الصحة والطبابة والدواء ، فلهم ما يحتاجونه وما يمدهم بالديمومة والعمر الطويل ، وهذه قصة أخرى عن ” طبقية الرعاية الصحية ” التي كان يعتمدها قادة الإتحاد السوفياتي ، يرويها طبيب الكرملين الخاص الدكتور يفغيني شازوف في مذكراته المعروفة بعنوان ” الصحة والسلطة ” ، وفيها يقول :
” إن السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفياتي ليونيد بريجنيف ، اختارني في العام 1967رئيسا للدائرة الرابعة في وزارة الصحة السوفياتية “.
ـ وما هي الدائرة الرابعة ؟
ـ الدائرة الرابعة هي الإدارة المختصة برعاية صحة الزعماء الحزبيين وكبار رجال الدولة ، ويعمل فيها أشهر وأهم الأطباء السوفييات ، يهتمون ويتابعون الحالات الصحية لكبار القادة السوفييت ، من شعر الرأس حتى أصابع القدم ، ولا يحق للمواطنيين او حتى للحزبيين العاديين التطبب في هذه الدائرة ، فهي للذين ” فوق الفوق ” ، وحتى إذا احتاجوا لأدوية من الغرب ، فتأتيهم حكرا لهم من دون السماح بوصولها إلى الناس العاديين ، فللعاديين من الناس والأجناس ” دواء سوفياتي عادي ” ، وللزعماء غير العاديين أدوية غير عادية حتى لو جاءت من بلاد الأعداء !!.
ليس في لبنان دائرة رابعة أو إدارة خاصة للقادة والزعماء على الطريقة السوفياتية ، ولكن في لبنان مستشفيات خاصة شبيهة بالدائرة الرابعة ، لاتستقبل سوى أصحاب ” الأيادي الطويلة ” ، وإذا احتاجت هذه الأيادي دواء أو علاجا فبإستطاعتها أن تتمدد وتمتد إلى السماء السابعة لتحوزعلى ما تبتغيه من طبابة واستشفاء ، ولو استلزمت لزوميات العلاج والتداوي سفرا نحو دولة في الشرق او دولة في الغرب ، فلا يحول حائل في السياسة ولا يعوق عائق في المال ، فالغاية ” الإستراتيجية ” القصوى أن يلتقط قادة الأقوام أنفاسهم حتى لو تقطعت أنفاس العوام .
تماما كما كان النموذج السوفياتي :
طبقية سياسية حادة
طبقية مالية شرسة
طبقية غذائية غليظة
طبقية صحية فظة.
هذه الطبقيات الفجة ، جعلت أصحاب القرار السوفييت يعيشون في بروج فوقية تفصلها مجرات وأكوان عن ” الجمهور العام ” ، الذي خرج على عليائهم فأسقط الهيكل وأصحابه وأحجاره .
ينقل محمد حسنين هيكل في كتابه ” الزلزال السوفياتي ” عن مسؤول سوفياتي سابق قوله ” : عزلنا أنفسنا عن الناس وعن السياسة والإقتصاد والآن تفرض الحقائق علينا أن نتشارك مع بقية الدنيا “.
بعد ماذا هذا الإعتراف ؟
بعد ماذا هذا ” التواضع الأسطوري ؟
بعد الإنهيار واشتعال النار ؟.
هذه روايتان أخيرتان من روايات الإتحاد السوفياتي ، وكيف كان جميع القادة السوفييت لا يثق بجميع القادة السوفييت ، كما هي الحال في لبنان ، والروايتان يقصهما الدكتور يفغيني شازوف طبيب الكرملين الخاص .
في الرواية الأولى يقول الدكتور شازوف إنه لما أبلغ صديقه مدير الإستخبارات السوفياتية يوري اندروبوف (1914ـ1984) بالحالة الصحية المتردية للأمين العام للحزب الشيوعي ليونيد بريجينف ، خشي اندروبوف مصارحة بريجينف بوضعه الصحي السيء ، وحين عرف بريجينف بحقائق مرضه طلب من الدكتور شازوف إبقاء الأمر مكتوما عن أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي وعن أجهزة الإستخبارات السوفياتية عامة .
إنها الثقة المفقودة بين القادة السوفييت
هي الثقة المفقودة بين قادة لبنان
كأنهم تتلمذوا في المدارس والجامعات السوفياتية
ولا فرق في ذلك بين القادة والمفكرين
وهذه الرواية الثانية لطبيب الكرملين ، وفيها :
” كان فيلسوف الحزب الشيوعي السوفياتي ميخائيل سوسلوف (1902 ـ 1982) لا يثق بأحد حتى بالأطباء ، وكذلك الحال مع زوجته المرتابة والمهجوسة بكل شيء ، وحين تم تشخيص أمراض سوسلوف وبأنها ناتجة عن تصلب شرايين القلب وقصور في الدورة الدموية التاجية ، رفض سوسلوف الإعتراف بمرضه وأصر على أنه مصاب بإلتهاب أوتاد عضلاته ، وأبى تناول العقاقير اللازمة ، ومع تكرار إصابته بالذبحات الصدرية وظهور بؤر احتشاء في عضلات القلب ، تم خداع سوسلوف وإعطاؤه العقاقير نفسها بعد تحويلها إلى مراهم ، ولما حققت هذه الوسيلة غايتها ، قال سوسلوف : ألم أقل لكم إن قلبي غير مريض لقد استخدمت المرهم وأصبح كل شيء على ما يرام “.
يا له من فيلسوف
يظن الخدعة حقيقة
يظن الوهم واقعا
ولكن : هكذا كانوا يحكمون الإتحاد السوفياتي …
وهكذا يحكمون لبنان.
……………………………………………

*كاتب، إعلامي وباحث