خارج إطار الحرب الشاملة… تشريح منطق الصراع المحدود

 

خاص – “الدنيا نيوز”

 

بقلم : الدكتورة ميرنا داود*

 

بات نمط “الردع المتبادل” السمة الغالبة للصراعات المعاصرة، لا الاستثناء منها.
جوهره: إدارة التصعيد عبر ضربات محسوبة بدقة ورسائل ردع سياسية، مع اجتناب العتبة التي تحوّل المواجهة إلى حرب مفتوحة لا تحمد عقباها.

ركائز المعادلة الاستراتيجية:

 

أولاً: استعاضة الردع عن الحسم

لا يسعى أي طرف إلى تحقيق نصر شامل، بل إلى فرض معادلة ردع جديدة تُعيد تعريف “الخطوط الحمراء”.
كل ضربة هي نصّ سياسي مكتوب بالنار: تجاوز المدى المسموح يستتبع كلفة، دون انهيار سقف اللعبة برمته.

 

ثانياً: تحوّل بنية القوة

تراجعت الجيوش التقليدية لصالح منظومة هجينة: صواريخ استراتيجية بعيدة المدى، طائرات مسيّرة، حرب سيبرانية، وشبكات وكلاء إقليميين. فاتسعت جبهة الاشتباك مكانياً، وغدت الدول الهامشية ساحة تصفية الحسابات.

ثالثاً: حسابات الشرعية الداخلية
يظل البُعد الرمزي حاسماً. يضطر كل فاعل إلى تصدير “انتصار معنوي” لجمهوره وحاضنته. من هنا يأتي التزامن بين التصعيد الميداني المحدود والتصعيد الخطابي المبالغ، حتى لو تباين الأثر العملياتي مع الصدى الإعلامي.

رابعاً: ثلاث إشكاليات بنيوية

1. مخاطرة سوء التقدير: تقوم المعادلة على قراءة دقيقة لنوايا الخصم. وأي خطأ في تقدير الصراع يحوّل الضربة “الرمزية” إلى شرارة لسلسلة تصعيد لا يمكن كبح جماحها.
2. هيمنة البُعد الاقتصادي: الأسواق والطاقة والملاحة الدولية هي أول من يدفع الثمن. التوتر وحده، بمعزل عن الأضرار المادية، كفيل برفع كلفة المخاطرة وزعزعة استقرار المنظومة المالية.
3. تمدد مسرح العمليات: تتحول الدول المجاورة قسراً إلى مسرح للصراع بالوكالة، فتُقحم سيادتها وأمنها القومي في معادلة لا ناقة لها فيها ولا جمل.

خامساً: هندسة كلفة الصراع وتسليح الاقتصاد
في زمن الردع المتبادل، تتحول الاقتصادات إلى ساحة اشتباك رئيسية. الهدف لم يعد تدمير البنية التحتية بالكامل، بل فرض “كلفة استنزاف” محسوبة: استهداف سلاسل الإمداد، تعطيل الملاحة، التلاعب بأسعار الطاقة، وهجمات على البنوك والعملة. هكذا يصبح التوتر الممتد سلاحاً أرخص وأكثر فتكاً من الحرب الشاملة. الدولة القوية عسكرياً قد تخسر الحرب الاقتصادية لأن الأسواق تعاقب “عدم اليقين” قبل أن تعاقب الدمار. من هنا، كل تصعيد ميداني هو رسالة موجهة مباشرة لصناديق الاستثمار وشركات التأمين، لا للجيوش فقط.

ما نشهده هو “حرب أعصاب” بامتياز. غايتها إثبات القدرة على الإيلام دون تدمير قواعد اللعبة. كل طرف يضرب ليُردع، لا ليُخضع. لكن المفارقة أن اللعب المستمر على حافة الهاوية يجعل انهيار التوازن مسألة شرارة عابرة، لا إرادة سياسية.

———————————

استاذة جامعية، مديرة قسم البحث العلمي والفكري في موقع “الدنيا نيوز”