تخيلوا العالم من دون لبنان ؟

 

بقلم : توفيق شومان*

ـ يكون بلا أحرف الأبجدية التي انطلقت من مدينة صور الفينيقية ، تلك الأبجدية التي باتت كل لغات العالم مكتوبة بأحرفها ، ما عدا اللغات الأسيوية مثل الهندية والصينية وغيرهما.
ـ يكون بلا ألوان ، تلك التي انطلقت من مدينة صيدا الفينيقية إلى العالم كافة ، وكان أولها الصباغ الأرجواني .
ـ يكون جاهلا بعلم الذرة ، وعلى ما يقول المؤرخ الإغريقي بوسيدونس ، أن الفيلسوف موخوس ( 1200 ق . م )،إبن مدينة صيدا ، هو القائل بأن المادة مؤلفة من ذرات ، وهو أول من تحدث عن الفرد والجوهر ، وان مفردة ” atom” التي تعني ” الذرة ” مأخوذة من المفردة اليونانية ” اتوموس ” المأخوذة بدورها من المفردة الفينيقية ” اتوميس ” التي تعني المادة الأخيرة .
ـ يكون بلا شرائع وقوانين ، فمن مدرسة الحقوق في بيروت انتشرت في العالم كله القوانين الرومانية التي غدت مصدرا لكل قوانين العالم حتى اليوم .
ـ يكون بلا تاريخ ولا يعرف شكل الكتاب ، فمن مدينة جبيل عرف العالم صقل الكتاب والكتابة من خلال اليونان الذين أطلقوا على جبيل إسم ” بيبلوس ” ، أي مدينة الكتابة أو مدينة الكتاب ، ومن هذا الإسم عرفت الكتب المقدسة أسماءها la Bible ـ The Bible.
ـ يكون بلا معرفة بالأنظمة الإتحادية او الفدرالية أو الكونفدرالية ، فمدينة طرابلس ، أولى مدن العالم التي عرفت التجربة السياسية الإتحادية ، وذك حين اجتمع أعيان المدن الفينيقية الثلاث : صور وصيدا وأرواد ، وشكلوا اتحادا لحل خلافاتهم ، فنشأت من هذا الإتحاد مدينة طرابلس التي تعني : المدن الثلاث .
ـ يكون العالم فاقدا لنصف تاريخه المكتوب وأكثر، فهذا النصف كتبه الرومان بعد مهاجمة القائد الفينيقي القرطاجي هنيبعل لمدينة روما ، وانكساره لاحقا ، مما ادى الى مهاجمة الرومان لمدينة قرطاجة الفينيقية في تونس واحتلالها ، وتلا ذلك حروب التوسع الرومانية نحو الشرق .
ـ تخيلوا العالم من دون الفيلسوف الفينيقي فورفوريوس ابن مدينة صور ، وهو الذي يعود إليه الفضل بتخليد فلسفة أفلوطين رائد مدرسة مدينة الإسكندرية الفلسفية ، ذلك ان ما نقله فورفوريوس عن أفلوطين ، شكل الأعمدة الأساسية للفلسفتين المسيحية والإسلامية ، من القديس أوغسطينوس إلى توما الكويني ، ومن إبن عربي إلى السهروردي إلى الملا صدرا وغيرهم .
ـ تخيلوا أنه لا يوجد أشجار أرز في لبنان ، وحيث كان الفراعنة يستخدمون زيت الأرز في عمليات التحنيط ، وبذلك ترك الفراعنة احد أهم الإنجازات العلمية التاريخية ، إن لم يكن الأهم على الإطلاق .
ـ تخيلوا العالم من دون إقليدس ( 300 ق. م ) إبن مدينة صور ، رائد علم الرياضيات والهندسة ، وفي كتابه ” ظاهرات الفلك ” يقول نصير الدين الطوسي “ولما فرغت من تحرير المجسطي رأيت أن أحرر كتاب أصول الهندسة والحساب المنسوب إلى إقليدس الصوري “.
ـ تخيلوا الحضارة الإسلامية ـ العربية من دون قسطا بن لوقا إبن مدينة بعلبك ، والذي قام بترجمة اهم المصنفات العلمية من اليونانية إلى العربية في عهد دولة بني العباس .
ـ تخيلوا بلاد الشام من دون تصنيف الأحاديث النبوية ، فأول من صنف الحديث في هذه البلاد هو الإمام الأوزاعي ، إبن مدينة بعلبك ، المترعرع في بلدة الكرك ، والمتوفي في بيروت ، وما زالت منطقة الأوزاعي على مدخل بيروت الجنوبي ، واحدة من أكثر المناطق اللبنانية شهرة .
ـ تخيلوا الفقه الإمامي من دون الشيخ محمد بن مكي بن محمد العاملي الجزيني المعروف بالشهيد الأول ، أو الشيخ زين الدين بن نور الدين العاملي الجباعي المعروف بالشهيد الثاني ، او بدون الشيخ علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي الذي هاجر إلى ايران في بداية العصر الصفوي ، أي في آوائل القرن السادس عشر الميلادي .
ـ تخيلوا حالة اللغة العربية من دون بطرس البستاني وناصيف اليازجي وفارس الشدياق.
ـ تخيلوا التاريخ العربي الحديث من دون العلّامة محمد رشيد رضا إبن بلدة القلمون الشمالية ، والذي اصدرمجلة ” المنار” في مصر ، أو بدون الأمراء الوافدين من جبل لبنان شكيب وعادل وأمين ارسلان ، أو من دون سليمان الظاهر واحمد رضا ومحمد جابر آل صفا وهم من أبناء وأعيان مدينة النبطية.
ـ تخيلوا تاريخ المشرق العربي في مطلع القرن العشرين من دون عبد الغني العريسي وجرجي الحداد و أحمد طبارة ونخلة مطران وصالح حيدر وعمر حمد وعبد الكريم الخليل وأنطوان وتوفيق زريق وعارف الشهابي وسعيد بشارة عقل وتوفيق البساط وفيليب وفريد الخازن ومحمد ومحمود المحمصاني وغيرهم ممن أعدمهم جمال باشا السفاح ، وهم الذين شكلوا المعالم العملية للفكرة القومية العربية .
ـ تخيلوا أحوال العالم العربي وثقافته وعلومه من دون بشارة وسليم تقلا اللذين أسسا صحيفة ” الأهرام ” في مصر، ومن دون مجلة ” الهلال ” القاهرية التي أنشأها جرجي زيدان ، ومن دون مجلة ” المقتطف ” المصرية ليعقوب صروف وفارس نمر ، و من دون مجلتي ” روز اليوسف ” و ” صباح الخير” المصريتين لفاطمة اليوسف والدة الأديب الكبير إحسان عبد القدوس ، ومن دون مجلات ” المصور” و” كل شيء ” والدنيا ” و”الإثنين ” و ” الكواكب ” و” حواء ” لإميل وشكري زيدان ، وكلها صدرت في مصر، ومن دون صحيفة ” الأخبار” التي أصدرها داوود بركات عام 1892، ليبيعها بعد عشر سنوات ، ولتنتقل هذه الصحيفة بعد ذلك للشقيقين مصطفى وعلي أمين ، ومن دون دار ” المعارف ” المصرية التي شكلت مدرسة التثقيف والتعليم الأولى في العالم العربي قاطبة ، والتي أسسها اللبناني نجيب متري.
ـ تخيلوا الفن العربي الذي تبلور ووصل إلى ذروته في مصر ، من دون جورج أبيض رائد المسرح ، ومن دون جورج نقاش ونجيب الريحاني وبشارة واكيم وعلوية جميل ، ومن دون بديعة مصابني وآسيا داغر وماري كويني وهنري بركات ويوسف شاهين ومحمد سلمان، ومن دون عبد السلام النابلسي وأيضا الممثل العالمي عمر الشريف بحسب صحيفة ” الأهرام ” (25 ـ 8 ـ2018) ، ومن دون شركة ” بيضا فون ” التي أطلقها الشقيقان جبران وفرج الله بيضا في عام 1914، والتي يعود إليها ريادة تسجيل وحفظ أغاني سيد درويش ومنيرة المهدية .
ـ تخيلوا الأدب العربي من دون جبران خليل جبران ومارون عبود وميخائيل نعيمة وخليل مطران وإيليا أبوماضي والياس ابو شبكة وسعيد عقل .
ـ تخيلوا الشعر والأدب العربيين من دون مجلة ” شعر” التي أطلقت الشعراء والأدباء أدونيس وجبرا ابراهيم جبرا وخليل حاوي، ونذير العظمة وأسعد رزوق، وخالدة سعيد وأنسي الحاج و محمد الماغوط وشوقي أبي شقرا وفؤاد رفقة وغيرهم ، او من دون دار ومجلة ” الآداب ” التي عملت على تبني الأسلوب الشعري الجديد المعروف ب ” شعر التفعيلة ” وهو أمر تشير إليه رائدة الشعر العربي الحديث الشاعرة العراقية نازك الملائكة في كتابها ” قضايا الشعر العربي المعاصر ” وكذلك الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة في كتابه ” جمرة النص الشعري/ مقاربات في الشعر والشعراء والحداثة والفاعلية “.
ـ تخيلوا الأغنية العربية من دون فيروز وصباح ونجاح سلام ووديع الصافي ونصري شمس الدين.
ـ تخيلوا المسرح العربي من دون الأخوين رحباني ، ومن دون حسن علاء الدين ” شوشو ” ومن دون روجيه عساف ، ومن دون انطوان ولطيفة ملتقى ، ومن دون زياد الرحباني ، ومن دون نبيه أبو الحسن ” اخوت شاناي ” ، ومن دون ريمون جبارة ومنير أبو دبس ، وأولا وأخيرا مارون نقاش الذي كان أول من استقدم الفن المسرحي إلى البلاد العربية في عام 1847 من خلال تقديمه مسرحية بعنوان ” البخيل ” في حديقة منزله ، وأعقبها بمسرحية ” أبو الحسن المغفل” ثم بمسرحية ” الحسود السليط “.
ـ تخيلوا الإعلام العربي ، من دون الصحافة اللبنانية بين الخمسينيات والتسعينيات من القرن العشرين الماضي .
ـ تخيلوا العرب من دون مطابع بيروت ، والسؤال هنا : كم كتاب عربي كان يمكن ان يخرج من المطابع العربية طوال القرن العشرين لو لم تكن بيروت مطبعة العرب ؟.
مرة أخرى : : تعالوا نتخيل أحوال العالم من دون الأحرف الأبجدية الفينيقية ؟ ومن دون علوم الرياضيات والهندسة ؟ ومن دون النظرية الذرية ؟ ومن دون الفلاسفة المسيحيين والمسلمين ؟ ومن دون إحياء اللغة العربية ؟ ومن دون الفن اللبناني ؟ ومن دون الصحافة اللبنانية ؟
مرة أخيرة : تعالوا نتخيل أحوال العرب في القرن العشرين من دون مطابع بيروت ؟.
…………………………………………………………………………………….

*إعلامي وكاتب سياسي