الهجرة واللجوء إلى الدول الغربية: إندماج، عزلة، أم صدام بين الثقافات

 

 

بقلم الدكتور هيكل الراعي*
عادت مشكلة المهاجرين والنازحين واللاجئين إلى الواجهة، بعد أن فتحت بعض الدول الغربية أبوابها للمهاجرين الهاربين من الحرب الروسية الأوك ارنية، وبعد التصريحات العنصرية التي نسبت إلى مسؤول في الاتحاد الأوروبي حول ضرورة استقبال اللاجئين من أوك ارنيا، واعتباره أن الله عَوض أوروبا عن الكائنات الشرق أوسطية والأوروبية ذوي الملامح الخشنة”، بلاجئين من لحمنا الأبيض ودمنا النقي تتناسب ألوانهم مع الهوية البصرية للشارع الأوروبي ولا تسبب اختناقاً للرجل الأبيض الأوروبي لدى رؤيتهم في محطات القطار”. في هذا المقال نحاول الإضاءة على مشكلة اندماج المهاجرين واللاجئين في المجتمعات المستقبلة.
في ظل العولمة، ومع ازدياد أعداد المهاجرين واللاجئين والإنتقال الكثيف لليد العاملة بين ََ
الدول، بدأت تُطَرُح أسئلة كبرى حول اندماج الوافدين بالمجتمعات الُمضيفة، وحول مستقبل هذه المجتمعات في ظ ّل أزما ٍت وتحّولا ٍت ديموغ ارفية واجتماعية واقتصادية تعيشها. وجاءت الحرب الأوك ارنية وما ي ارفقها من دمار وخ ارب ومآسي وتهجير ونزوح، وكذلك الأحداث المؤلمة، المحفورة في الذاكرة، التي كانت شهدتها بعض الدول الأوروبية خلال الأعوام الماضية، والتي سقط فيها عدد من الأبرياء، لتفتح نقاشاً واسعاً حول العلاقة بين ال ُمهاجرين واللاجئين وسكان هذه الدول. هل على المهاجرين واللاجئين أن يتخّلوا عن عاداتهم وتقاليدهم وقيمهم وسلوكياتهم وأن يتأقلموا مع المجتمعات التي قصدوها، طوعاً أو كرهاً، للإقامة والعمل؟ أم يجب على هذه المجتمعات أن تُقّدم تنازلات جوهرية في إطار سعيها لاستيعاب ودمج هؤلاء المهاجرين واللاجئين في نظمها الِقيمّية وفي عاداتها وتقاليدها؟ وما هي حدود التعايش بين ثقافات وقيم وعادات وتقاليد مختلفة إلى حدود التناقض بعض الأحيان؟


1 – إن ظاهرة الهجرة ليست جديدة وهي ارفقت نشوء المجتمعات البشرية. وانتقال الأف ارد والعائلات من ُمجتم ٍع للعيش في مجتمع آخر كانت له دائماً أسبابه الأمنية والدينية والإقتصادية والسياسية وغير ذلك. وكل هجرة، أو لجوء، مهما كانٍنوعها تحتاج إلى أسباب طاردة تدفع الإنسان للتفكير في تغيير مكان سكنه والتخلي عن أهل وق اربة وعلاقات عمل وعن استق ارر نفسي وجسدي. كما تحتاج إلى أسباب جاذبة تتمثل بالأمان وبُفر ٍص أفضل للعمل والسكن والإقامة وإلى خدمات اجتماعية وصحية تُقّدمها المجتمعات المستقِبلة. وبقدر ما تتكّون وتبرز حاجة المهاجرين للتخلي عن أوطانهم، هناك حاجة عند المجتمعات المستقِبلة للاستعانة بهؤلاء المهاجرين لنموها وتطورها. الحاجة متبادلة بين الطرفين وتقوم على مصالح ومكتسبات ولا يُمكن بتاتاً ق ارءتها من منظاٍر أخلاقي وتعاطفي وإنساني. فلو لم يكن المهاجرون بحاجة ماسة إلى مغادرة أوطانهم لما غادروها. ولو لم تكن المجتمعات التي تستقبل الُمهاجرين بحاجة أيضاً إلى قوة عملهم وإلى قوة عمل أولادهم لما فتحت لهم أبوابها. وهذه المجتمعات تختار عادةً أنواعاً من المهاجرين لديهم كفاءات ومؤهلات وقد ارت تُساهم في تطوير اقتصاداتها وصناعاتها ومختلف قطاعاتها الإنتاجية. إذن هي عملية تقوم على مصالح ُمتباَدلة وليس على عطف وحب وسلوك إنساني.
2 – خلال السنوات الماضية، وبسبب الأزمات السياسية والاقتصادية والحروب التي عاشتها دول كثيرة خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، ارتفع عدد المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين بشكل ملحوظ واستقبلت دول كثيرة، وتحديداً بعض الدول الأوروبية، عش ارت الآلاف منهم بسبب حاجاتها المت ازيدة إلى اليد العاملة لتنشيط اقتصاداتها، بعد أن بدأت تعاني الركود نتيجة ت ارجع نسبة النمو الديموغ ارفي فيها. وفي هذا الإطار يجب التمييز بين ثلاث مجموعات من الدول: المجموعة الأولى، تضم الدول المعروفة تاريخياً بأنها أرض هجرة، وهي دول غنية تملك ثروات هائلة، كانت ولا ازلت تسعى لاستقطاب المهاجرين بسبب حاجاتها الآنية والمستقبلية. هذه الدول تقدم إغ ارءات ومساعدات كثيرة للمهاجرين الجدد، وتؤمن لهم الجنسية والخدمات الاجتماعية وكل وسائل العيش الكريم. ومن أبرز هذه الدول الولايات المتحدة الأميركية وكندا وأوست ارليا
والسويد وغيرها. المجموعة الثانية، تضم الدول الأوروبية الاستعمارية السابقة والتي كانت تسيطر على مناطق شاسعة في كل أرجاء الكرة الأرضية. هذه الدول قامت نهضتها وحققت غناها بفعل نهبها لثروات مستعم ارتها، والتي شكلت في الوقت نفسه أسواقاً لتصريف المنتجات والسلع التي كانت تنتجها مصانعها. الهجرة من المستعم ارت إلى الدول الأوروبية ازدت بعدما تحررت هذه المستعم ارت، ولكنها حملت معها أحقاداً وك ارهية دفينة تجاه المستعمرين الذين مارسوا كل أنواع الظلم تجاه السكان الأصليين. المجموعة الثالثة، تضم دولاً شهدت تحولات عميقة بعد اكتشاف ثروات هائلة في أ ارضيها وكانت بحاجة ماسة إلى أعداد كبيرة من العاملين ومن أصحاب الإختصاصات والخب ارت والشهادات العالية. وتعتبر دول الخليج العربي أبرز مثال على هذه المجموعة. هذه الدول استقبلت أف ارداً وعائلات من كل دول العالم وأمنت لهم الرواتب المرتفعة وكل وسائل ال ارحة ولكنها امتنعت ولا ت ازل عن إعطائهم جنسيتها لأسباب ديموغ ارفية وسياسية ودينية. لذلك فإن العلاقات بين الوافدين (وليس المهاجرين) والمجتمعات المضيفة بقيت ظرفية ومصلحية ومحكومة بالحاجة المتبادلة. فهذه الدول لم تس َع يوماً إلى توطين هؤلاء العاملين، إلا في حالات نادرة، والعاملون في هذه الدول يعرفون بعمق أن وجودهم مؤقت، مهما طالت مدته، وأن عليهم إما أن يعودوا إلى مواطنهم أو البحث عن دول أخرى يهاجرون إليها.
3 – إن الم ارقبة والد ارسة الدقيقة لواقع المهاجرين في الدول المعروفة باستقبالها لأعداٍد كبيرة منهم تظهر مؤش ارت تتميز بالخطورة على المديين القريب والبعيد. فغالبية هذه الدول لم تضع سياسات واضحة وطويلة الأجل لاستقبال ودمج هؤلاء المهاجرين، مما أفرز ظواهر نافرة وُمقلقة. فالمهاجرون الذين يصلون إلى المجتمعات الجديدة يبحثون عن الأمان النفسي فيلجأون عند وصولهم، إلى حيث يُقيم مواطنوهم الذين سبقوهم من جهة، وإلى دور العبادة التابعة للمذاهب الدينية التي ينتمون إليها من جهة أخرى إذا وجدت. ففي هذين المكانين يشعر المهاجر بالإطمئنان والأمان خصوصاًٍفي الفترة الأولى التي تعقب وصوله. بعض المهاجرين يقوم بتغيير أماكن سكنه ويبتعد إلى حد ما عن دور العبادة ويذهب إلى أماكن وانتماءات
أخرى، أما الآخرون فيتم ّسكون بعنصري الأمان السالَفين ويتقوقعون على ذواتهم. هكذا نشأت في الكثير من مدن العالم الكبرى أحيا ًء تحمل بصمات وسمات المهاجرين، بحيث تشعر وكأنك في بلدان المهاجرين الأصلية. وهذه الظاهرة موجودة بشكل ظاهر ونافر في أغلب المدن الأوروبية والأميركية والكندية والأوست ارلية ولو بدرجات مختلفة. وقد أّدى ذلك إلى بروز ممارسات شاذة وسلوكيات وتقاليد نافرة لا علاقة لها بقوانين وأنظمة وقيم المجتمعات المضيفة، كما ارتفعت بعض الأصوات تطالب بتعديل القوانين النافذة والُم َطّبقة في هذه المجتمعات لتعترف بعادات وتقاليد المهاجرين في الزواج والطلاق والتربية والأكل وغير ذلك.
4 – المهاجر هو إنسان له ثقافته وحضارته وِقيمه وعاداته وتقاليده وهو تربى في بيئٍة لها
ِّ
خصائصها وُممي ازتها ومعتقداتها. وهو عندما يصل إلى المجتمعات المستقبلة يحمل معه كل
هذه المنظومة التي ُجبلت بها شخصيته، ومن المستحيل الطلب منه التخلي عنها ونزعها عنه. كذلك فإن هذه المجتمعات لها عاداتها وتقاليدها وقيمها التي بُنيت وتبلورت على َمِّر السنين ومن المستحيل أيضاً أن تتخلى عنها. فبعض هذه المبادىء والقيم كانت نتيجة ثو ارت عميقة كّلفت عش ارت آلاف الضحايا. من هنا يُطرح السؤال: هل يجب على المهاجر أن يُقّدم التنازلات ليعيش في المجتمع الذي قصده بكامل وعيه وإ اردته؟ أم على هذا المجتمع أن يحترم مشاعر المهاجرين وعاداتهم وتقاليدهم ليؤّمن لهم مناخات مطمئنة؟ وما هي حدود التنازلات الُمتباَدلة من الفريقين وكيف يُمكن أن تُترَجم؟
من الطبيعي أن يطِبق المهاجرون القوانين والأنظمة، وأن يتقيدوا بما تفرض هذه القوانين من ُّّ
سلوكيات في حياتهم اليومية. ومن ال ُممكن أن يتأقلموا مع بعض العادات والتقاليد التي يصادفونها في المجتمعات التي استقبلتهم. ولكن ماذا بالنسبة إلى المقدسات المرتبطة بالإنتماء الديني وبالأيمان؟ هل يمكن التخلي عنها أو إج ارء تسويات وتنازلات بشأنها؟ من الصعب جداً وهنا جوهر المشكلة أو الأزمة. وإذا كانت المجتمعات التي تستقبل المهاجرين بأعداد كبيرة تُ ارهن على اندماج أبناء وأحفاد هؤلاء المهاجرين، بعد سنوات طويلة، وعلى تخّليهم حتى عن تع ّصبهم لُمقّدسات وشعائر دينية، فكيف يُمكن أن يتحّقق ذلك عندما يعيش هؤلاء في أحياٍء شبه
ُمغَلقة تُعاني الفقر والبطالة والحرمان وتف ّشي ال ُمخّد ارت والأزمات الإجتماعية المختلفة. وإذا كانت الأنظمة ال أرسمالية وبعض قطاعاتها الإنتاجية تخطط عمداً لإبقاء مناطق إقامة وتج ّمع المهاجرين مناطق فقيرة وُمهَملة كي تبقى ينابيع ومصادر لتوفير اليد العاملة الرخيصة، فإنها لا تُدرك أنها بذلك تُح ّضر قنابل موقوتة لا يعرف أحٌد متى ستنفجر.
المجتمعات الغربية التي استقبلت أعداداً كبيرة من المهاجرين واللاجئين في العقود الخمسة الماضية تعيش مجموعة متداخلة من الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتشّكل أزمة المهاجرين أخطرها. وإذا لم تضع هذه المجتمعات خططاً عاجلة لمعالجة هذه الأزمة،
على قاعدة التعددية والتنوع الثقافي، فإن الصدام واقع لا محالة ويمكن أن يذهب باتجاه ٌُ
حروب أهلية ُمد ّمرة، خصوصاً مع زيادة قوة ونفوذ الأح ازب اليمينية المتطرفة. فهل ستعي حكومات الدول الغربية خطورة الوضع أم ستنتظر الإنفجار الكبير لتبدأ المعالجة؟
*باحث وأستاذ جامعي