المدن المفتوحة: البيان اللبناني لحكومة فيشي!

 

خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم : د. طنوس شلهوب

حين يعجز البعض عن تسمية الأشياء بأسمائها، يصبح الضحية مسؤولاً عن الجريمة، ويغدو المطلوب من المعتدى عليه أن يغيّر سلوكه لا من المعتدي أن يوقف عدوانه. وهذا بالضبط ما يعكسه النداء الداعي إلى إعلان النبطية أو صور “مدناً مفتوحة”.
فالبيان يبدأ من مشهد الدمار الحقيقي الذي يعيشه الجنوب، لكنه ينتهي إلى استنتاج سياسي خطير: بدلاً من تحميل المسؤولية الكاملة للعدو الصهيوني الذي يقصف المدن والقرى ويقتل المدنيين ويدمر البنى التحتية، يجري البحث عن أسباب العدوان داخل المجتمع اللبناني نفسه، وكأن المشكلة ليست في وجود المعتدي بل في وجود من يقاومه.
إن مفهوم “المدينة المفتوحة” ليس مفهوماً تحررياً ولا أداة من أدوات الصمود الوطني، بل هو تاريخياً تعبير عن تخلي المدافعين عن حقهم في المقاومة أملاً في أن يرحمهم الغازي. وقد عرف العالم هذا المفهوم في لحظات الانكسار الكبرى، عندما فضّلت بعض النخب التكيف مع الاحتلال بدل مواجهته. وما يجعل المقارنة مع حكومة فيشي مشروعة سياسياً هو أن المنطق واحد: التسليم بأن ميزان القوى لا يسمح بالمواجهة، وبالتالي يجب تقديم التنازلات للمعتدي على أمل الحد من الخسائر.
لكن التاريخ يعلمنا أن الشعوب لا تنجو من الاحتلال بالتنازل له، بل بمقاومته. فالاستعمار الفرنسي لم يغادر الجزائر بفضل البيانات والمناشدات، والاحتلال الأميركي لم ينسحب من فيتنام بسبب النداءات الإنسانية، والاحتلال الإسرائيلي لم يخرج من جنوب لبنان عام 2000 نتيجة توسلات دبلوماسية، بل تحت ضغط مقاومة شعبية ووطنية جعلت بقاءه أكثر كلفة من رحيله.
والأخطر في هذا الخطاب أنه يبرئ العدو بصورة غير مباشرة. فالعدو لا يُطلب منه سوى التوقف عن القتل، بينما يُطلب من اللبنانيين تغيير معادلات القوة القائمة على أرضهم. وهكذا تنتقل المسؤولية من الطائرات التي تقصف إلى الذين يتعرضون للقصف، ومن المشروع الاستعماري الصهيوني إلى من يرفض الخضوع له. إنها الصيغة نفسها التي استخدمتها قوى الاستعمار عبر التاريخ عندما كانت تعتبر مقاومة الاحتلال سبباً للعنف، لا الاحتلال نفسه.
ثم إن أصحاب هذا الطرح يتحدثون عن “تحرير الأرض” و”حماية الجنوب” في الوقت الذي يدعون فيه عملياً إلى تجريد الجنوب من عناصر القوة التي حمت أرضه لعقود. فكيف يمكن تحرير أرض بلا مقاومة؟ وكيف يمكن ردع عدو لا يعترف بالقوانين الدولية ولا بالقرارات الأممية من خلال المناشدات وحدها؟ إن هذا التناقض يكشف أن القضية ليست قضية وسائل، بل قضية رؤية سياسية ترى في المقاومة مشكلة أكبر من الاحتلال نفسه.
ومن اللافت أن هذا الخطاب يتبنى سردية “حروب الآخرين”، وكأن الجنوب لم يكن مستهدفاً قبل وجود أي محور إقليمي، وكأن الاحتلال الإسرائيلي الذي اجتاح لبنان مراراً واحتل أرضه وقتل أبناءه كان مجرد نتيجة لخيارات سياسية داخلية. هذه السردية لا تكتفي بتجاهل التاريخ، بل تعيد كتابة الصراع من أساسه بحيث يصبح المقاوم مسؤولاً عن العدوان، فيما يتحول المعتدي إلى رد فعل لا إلى سبب.
ولا يمكن فصل هذه المواقف عن التحولات التي شهدتها بعض النخب السياسية والثقافية خلال العقود الأخيرة. فبعد أن كانت مفاهيم التحرر الوطني والسيادة ومقاومة الاستعمار تشكل جزءاً أساسياً من الخطاب العام، برزت شريحة من النخب المرتبطة بمؤسسات التمويل الأجنبية ومنظمات المجتمع المدني التي استبدلت مفردات الصراع والتحرر بمفردات “الحوكمة” و”إدارة النزاعات” و”بناء السلام”. وبالتدريج، لم يعد السؤال: كيف نواجه العدوان؟ بل كيف نتكيف معه. ولم يعد المطلوب تحرير الأرض بقدر ما أصبح المطلوب إدارة آثار الاحتلال وتقليل خسائره.
إن جزءاً من هذه النخب ينظر إلى المقاومة باعتبارها عقبة أمام مشروعها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، لا باعتبارها أداة دفاع وطني. ولذلك يصبح نزع أسباب القوة من المجتمع شرطاً مسبقاً لأي حل، فيما يغيب أي حديث جدي عن إلزام المعتدي أو معاقبته أو ردعه. وهنا يتحول الخطاب الإنساني من أداة لحماية الناس إلى أداة ضغط على الطرف الواقع تحت العدوان.
ومن حق الناس أن تخاف على بيوتها وأرزاقها وأطفالها، ومن واجب الجميع البحث عن وسائل حماية المدنيين ووقف العدوان. لكن حماية المدنيين لا تكون بإعلان الاستسلام السياسي أو المعنوي، ولا بتقديم أوراق الاعتماد للمعتدي، بل بفضح جرائمه، وتعزيز صمود المجتمع، وتحصين وحدته الوطنية، ومراكمة عناصر القوة التي تمنع تحويل الوطن إلى أرض مستباحة.
إن الوطنية ليست الوقوف على الحياد بين المعتدي والمعتدى عليه، ولا مساواة الضحية بجلادها. والوطنية الحقيقية تبدأ من تحديد المسؤول الأول عن المأساة: الاحتلال والعدوان الصهيوني. أما تحويل المقاومة إلى متهم، وتقديم التنازلات المجانية للعدو تحت عناوين إنسانية أو تقنية أو دبلوماسية، فليس طريقاً إلى السلام ولا إلى حماية الجنوب، بل هو تعبير عن منطق استسلامي يطلب من الشعب أن يدفع ثمن العدوان مرتين: مرة عندما يتعرض للقصف، ومرة عندما يُطلب منه التخلي عن حقه في مقاومة من يقصفه.
إن الشعوب لا تُحفظ بالاستسلام، ولا الأوطان تُصان بإعلانها مفتوحة أمام المعتدين. وما يحمي المدن ليس تجريدها من أسباب الدفاع، بل تمسك أهلها بحقهم في الأرض والسيادة والكرامة، وإدراكهم أن الطريق إلى السلام العادل لا يمر عبر الخضوع للقوة، بل عبر مقاومة الهيمنة والاحتلال مهما بلغت التضحيات.

——————————-

كاتب واكاديمي لبناني مقيم في كندا