التبادلية..!


 

 
بقلم ألعَميد منذر ألأيوبي*
 
بحضور و رعاية سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي RSCRF “نيكولاي باتروشيف” جمعت موسكو ألأسبوع ألماضي كل من رئيس ألإستخبارات ألتركي “هاكان فيدان” ونظيره ألسوري علي ألمملوك. يأتي هذا الاجتماع الرفيع إستكمالآ للقمة ألأخيرة ألتي عقدت في أنقرة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان التي كَانَ أحد نتائجها اعلان وزارة الدفاع ألروسية وقف إطلاق ألنار في مناطق خفض ألتصعيد و محافظة إدلب بالتنسيق مع الجانب التركي ؛ علمآ أن إتفاق ألهدنة ألمعلنة هذا دخل حيز ألتنفيذ وإلتزم به الجميع نسبيآ حتى ألآن إعتبارآ من 12 ألشَهر الجاري ..!
 
ماذا دار في ألإجتماع ألأمني الثلاثي المعلن عنه و ألأول من نوعه على هذا ألمستوى منذ بدء الثورة والحرب على سوريا بالتوازي مع قطع العلاقات الديبلوماسية التركية – السورية عام 2011 ..؟
بغض النَظَر عما تداولته وسائل ألإعلام وما رشح من تسريبات فإن ألملفات ألأمنية ألمشتركة جميعها وضعت على طاولة ألمباحثات .. أدار الجانب الروسي دفة الاجتماع بهدف أساسي إستراتيجي هو إنهاء الوجود التركي وانسحاب القوات من شمال سوريا مع ضمان مصالح تركيا وأمن حدودها الجنوبية ..!
 
أما ميدانيآ فتشديد روسي على ضرورة إلتزام تركيا تنفيذ بنود إتفاق سوتشي 2018 القاضي بفتح طريقي حلب – حماه و حلب – اللاذقية وإخلاء منطقة إدلب بالكامل من مسلحي تنظيمي هيئة تحرير ألشام وجبهة النصرة ألإرهابيين مع سحب ألأسلحة ألثقيلة .. هَذا مَا أكد عليه أيضآ رئيس مكتب ألأمن ألوطني ألسوري مطالبآ ألقيادة ألأمنية ألتركية “ألإلتزام ألكامل بسيادة سوريا وإستقلالها وسلامة أراضيها ووحدتها أرضآ وشعبآ وإنسحاب القوات التركية الفوري والكامل من ألأراضي ألسورية كافةً” مؤكدآ تصميم الجيش السوري مُتابَعَة حربه ضد ألإرهاب وتحرير منطقة إدلب ومحيطها بألكامل وفق ما نص عليه ألبند ألثاني من إتفاق أستانة 2017 (شمال محافظة حمص ، محافظة إدلب ، أجزاء معينة من محافظات أولاتاكيا- حماه – حلب ، أجزاء معينة من سوريا ألجنوبية) كما جرى بحث تقليص الحزام ألأمني تدريجيآ ألَذي أقامته القوات التركية على الحدود الشمالية بعمق يتراوح بين 18 إلى 40 كلم (عملية نبع ألسلام) ألتي هدفت إلى تطهير ألمِنطَقة من ألفصائل ألكردية ألمدعومة من القوات الاميركية وشبهات التغيير الديموغرافي الدموي ألَذي تمارسه تُركيا على غرار ما فعلت في مدينة “عفرين” صيف عام 2018 بهدف توطين اللاجئين السوريين إلى تركيا في الحزام ألحدودي ألفاصل ..!
 
من جهة أخرى ، رئيس ألإستخبارات ألتركية شرح ألأولويات ألأمنية لا سيما منها المواجهات مع وحدات حماية ألشعب الكردية و ألتموضع العسكري للقوات ألتركية في ألمِنطَقة العازلة ألتي أقامتها بألتنسيق مع ألأميركيين ؛ مع الإشارة “أن هذه ألوحدات أنشأت عام 2004 بوصفها الجناح ألعسكري لحزب ألإتحاد الديمقراطي ألكردستاني و هي تشكل ألعمود ألفقري لقوات سوريا الديموقراطية ألتي تحظى بالرعاية والدعم ألعسكري ألأميركي”.. المنطقة العازلة شَرق ألفرات يَجِب أن تَكون في عهدة ألجَيش ألسوري وفق ترتيبات إنسحاب منسقة هذا ما رد عليه وأكده ألجانب ألروسي .. كما عرض “فيدان = كاتم أسرار أردوغان” ألوضع ألمأساوي للاجئين ألسوريين في مناطق أنتشار ألجيش ألتركي ومعاناتهم لا سيما خلال فصل ألشتاء الحالي ..
في سياق متصل، تتخذ التنظيمات ألإرهابية في منطقة إدلب من ألمواطنين ألسوريين دروعآ بشرية مما يعيق تقدم الجيش السوري للقضاء عليها من هذا ألمنطلق فإن طلب ألتعاون من ألقوات ألتركية يعتبر أمرآ أساسيآ في عملية تحريرها .. عمليآ فأن ألإجتماع ألثلاثي تناول تفصيليآ ألقضايا ألعسكرية وألأمنية تحديدآ دون التطرق للأمور السياسية أو مستقبل العلاقات التركية السورية في حين أكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو على ضرورة التواصل ألإستعلامي ألأمني نفى وجود أي إتصال سياسي مباشر بين أنقرة والحكومة السورية .. أما وزير الدفاع التركي خلوصي آكار فقد وضع أللقاء ضمن ألإجراءات ألتي تهدف إلى “ألحفاظ على المصالح التركية والمساهمة في إحلال السلام في ألمنطقة”..
 
من الواضح أن هذا ألحراك ألأمني ألإستخباراتي يأتي في توقيت مدروس إستتبع زيارة ألرئيس بوتين سوريا ولقاءه ألرئيس ألأسد ثم متابعة جولته بالتوجه نحو تركيا وإجتماعه مع ألرئيس أردوغان بعد تدشين خط ألغاز (السيل ألتركي) ؛ في حين كان لافتآ عدم مشاركة سكرتير ألأمن ألقومي ألإيراني ألأميرال علي شمخاني في ألإجتماع ألأمني دونَ توفر معلومات مَا إذاكان ألأمر غيابآ أو تغييبآ، علمآ أن إيران معنية مباشرةً بالوضع في سوريا وذَلِكَ في إطار تحالفها الاستراتيجي والعسكري كما في أية ترتيبات سياسية أو أمنية متخذة ..
 
ألسؤال ألمطروح ، هل هنالك من تغييرات جيو سياسية على صعيد المربع الاقليمي بأطرافه تركيا – سوريا – ألعراق – إيران لا سيما بعد ألعملية ألاستخباراتية ألأميركية ألتي أدت إلى إغتيال قائد فيلق ألقدس أللواء قاسم سليماني ونائب رئيس الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس بواسطة طائرة مسيرة ؟
 
من ألمؤكد أن إتفاق آضنة ألموقع بين ألجانبين التركي والسوري عام 1998 ألذي أعاد ترسيم الحدود بين البلدين إضافة إلى ما تضمنه من بنود وملحقات أمنية فرضت قيودآ مشددة على سوريا لجهة علاقتها بحزب ألعمال ألكردستاني ومكافحة ألإرهاب سيبقى ألثابت ألسياسي وألأمني ألذي يؤطر ألعلاقات بين ألبلدين مستقبلآ ..
من ألجهة ألعراقية فإن مجلس ألتعاون ألإستراتيجي ألذي أنشيء عام 2008 سيبقى أيضا ألمعني والمنظم للعلاقات ألعراقية – ألتركية على ألصعد ألأمنية ، ألإقتصادية و ألطاقة ؛ كما أن ما تجمعه الجغرافيا من النادر أو الصعوبة بمكان أن تفرقه السياسة و على هذا ألأساس يشكل نهري دجلة و الفرات “حبل ألسرة” Umbilical cord بين البلدين المتجاورين بمسافة حدودية تبلغ 331 km ..
 
على الصعيد التركي – الايراني ، فإن الصراع ألصامت Silent Conflict هو على المستوى الاستراتيجي ، إذ أن ألإيديولوجيا قادرة على أن تفرق ما تجمعه ألجغرافيا علمآ أن ألحدود ألمشتركة بين ألبلدين تبلغ مسافة 499 km تقريبآ .. في ألبعد ألجيو سياسي يشكل ألبلدان حزامآ و حاضنة جغرافية للدول ألعربية يؤلفان معها منطقة ألشرق ألأوسط ، و بصرف ألنَظر عن ألتعدد ألعرقي و ألإنتماء ألديموغرافي في كل منهما لمذهبين إسلاميين مختلفين و نظامين سياسيين متناقضين فإن ألدولتين تمارسان توازيآ إتفاقآ لا إرتجالآ سياسة ألإحتواء و ألتطويق Containment and Enclosure Policy في آن معًا ؛ كما أنهما دؤوبين على تنظيم ألخلافات بينهما ضمن حيثية مفترضة من توازن ألقِوى سواء مباشرة أو عبر ألأذرع مع ألحِفاظ على علاقات إقتصادية متكافئة و ممتازة إضافةً إلى تواصل و تعاون أمني مباشر بما يضمن مكافحة ألإرهاب ، ضبط ألحدود و ألحِفاظ على ألمصالح ألمُشتركة ..
 
في ألعلاقات ألسورية ألعراقية ؛ لقد كانت كافية ستة عقود من ألخصومة و ألقطيعة ألمباشرة بين ألدولتين و نظامهما ألحزبي ألمشابه عقائديآ (ألبعث ألإشتراكي) ؛ أما أليوم فتكتسب علاقاتهما أهَمية بالغة فهما توأمان مرتبطان تاريخيآ إثنيآ دينيآ و لغويآ كما يتشابهان في موقعهما آلجيو إستراتيجي و ثرواتهما ألنفطية و ألغازية إضافَةً إلى أنهما يتساويان في عدائهما للعدو ألصهيوني ، و كلاهما محط أنظار و مطامع ألدول ألغربية و ألإستعمارية ناهيك بألجوار ألقريب .. و إذ يحاول ألبلدين ألعربيين ألمتجاورين بلوغ إستقلالية في قرارهما نسبيآ إلا أن هذا ألأمر مرهون بألتواجد ألعَسكَري ألأميركي في ألعراق و ألروسي في سوريا …
 
من زاوية أخرى ، يحظى ألتحالف ألإستراتيجي بين سوريا و ألإتحاد ألروسي بتأييد واسع من مُعظم ألشَعب ألسوري في حين أن ألوجود ألعسكري ألأميركي في ألعراق و الإتفاقات ألموقعة بين واشنطن و بغداد باتت مرفوضة من أغلبية ألعراقيين و قد تجلى ذلك بتصويت ألبرلمان مُؤخَرَآ على قرار نيابيمن 5 إجراءات يلزم الحكومة بإلغاء طلبالمساعدة من التحالف الدولي لمحاربةتنظيم داعش الذي تقوده الولاياتالمتحدة يأتي هذا ألقرار غداة إغتيال أللواء سليماني أثناء سلوك موكبه طَريق مطار بغداد ألدَولي بواسطة طائرة أميركية مُسيرة عن بعد …
 
في نظرة حيادية نسبيآ ، تتموضع ألدول ألعربية و منطقة ألشرق ألأوسط ككل على فالق زلزالي Seismic fault جيوسياسي إستراتيجي هام حيث تتصادم ألصفائح ألتكتونية Tectonic Plates في صراع دائر دائم
بين ألمحور ألأميركي و حلفاءه و ألعدو ألصهيوني من جهة و محور ألممانعة ألَذي يحظى بألرعاية و ألدَعم ألروسي من جهة أخرى .. أما ألقاسم ألمُشترك بين كلا ألمحورين ألأعداء فهو :
أن ألدول ألعربية منقسمة عاموديآ في إنتمائها لكل منهما ؛ أن صراع ألمحورين ألعسكري يَدور على ألأراضي ألعربية دماء و ضحايا ، إن إفقار شعوبهم و إستنزاف مواردهم هو Common Coefficient (معامل مشترك) في شبه هيمنة مطلقة .. و إذا كان محور ألممانعة يمثل بمقاومته ألحق ألعربي في تحرير فلسطين و درء ألإستعمار فَإنَ خللآ في ألتحالف و ألعلاقات و ألأداء كما ألتداخل ألإقليمي ألسياسي و ألتمدد ألعسكري أوجدا و زادَا من نسبة ألعداء و ألذعر بين ألمجموعة ألعربية إذ دفع كل جزء منها للإرتماء في أحضان ألمحور ألآخر إلى حَد ألرضوخ لِلإبتزاز ألمَالي أو ألمادي تَحتَ مبدأ مظلة ألحماية ، إضافَةً إلى تسعير ألخِلاف و توزيع إتهامات ألتخوين بما يخدم مصالح ألعدو ألإسرائيلي و أهدافه ألإستراتيجية في ألأرض و المياه و مصادر ألطاقة  ..
 
خِتامَآ ؛ بألعودة إلى ألإجتماع ألأمني ألثلاثي فهو يصب في خانة تغييرات جيوسياسية مرتقبة و تعديل في قواعد آلإشتباك ؛ كما يرفع نسبة ألتَنسيق ألميداني ألعسكري ألتركي ألسوري من نقطة ألصفر .. بألتالي يؤكد على ألتبادلية Interchangeability Process بمعنى تقليص ألنفوذ ألتركي في سوريا مقابل إشراك تركيا كطرف أساسي ذو مصالح إستراتيجية في ليبيا و جنوب ألمتوسط “بحر ألروم” و ذلك في ترجمة عملية للقاء بوتين – أردوغان ألأخير ..!
 
بيروت في 18.01.2020
*عميد ، كاتب و باحث