مميزالافتتاحيةشؤون لبنانية

هنا قُتِلتْ ثورة اللبنانيين ووئِدت أحلامهم بالتغيير…

 

 

بقلم : عباس صالح*

كنا أيدنا وما زلنا نؤيد الشق المتعلق بالمطالب المحقة والاهداف النبيلة التي فجرت الاحتقان المزمن للشعب اللبناني الذي محقته الطبقة السياسية برمتها وخنقت إنسانيته، وأجهزت على كل بوادر الحياة في الوطن الصغير، وألحقت بشعبه الطيب أبشع انواع الاهانات الروحية والاخلاقية التي يمكن ان يتعرض لها بشر في عصرنا.
وبالفعل، كاد الحراك الشعبي المدوي في لبنان ان يحقق آمالاً وطموحات جبارة وقديمة عمرها من عمر الكيان، لو بقي نقياً صافياً وبريئاً منزها عن العيوب والشائبات التي لطخته وحولته الى حراك سياسي وأسقطته في بازار التحديات، بل جعلت منه بريداً لايصال الرسائل السياسية بين الاطراف السياسية المختلفين على اقتسام خزائن الوطن وسرقة خيراته.
العيب الاول الذي قتل الحراك الذي سمي بالثورة وعطل كل مفاعيله المرتجاة، تمثل في قطع الطرق..!
فكيف لحراك سياسي مطلبي قائم على شعار التحرر واعادة حقوق الناس اليها، ان يحقق أي انجاز، اذا كان هو من يحرم الناس بصفاقة واستبداد وعنجهية، من حقها في التنقل – حتى لمناصرته والانضمام الى ساحاته – هنا مقتل الثورة الذي وصمها بالديكتاتورية وتوسل التعنيف مع الآخرين لفرض الذات.
كذلك فإن هذا الاجراء هو ما جعل بعض الجهات والفرقاء تستغل الحراك لتمرير بعض الرسائل السياسية كما جعل بعض الطامحين الى تسلق المناصب السياسية يمتطون قلة وعي قطاع الطرق ممن يرفعون الشعارات السياسية لتحقيق غاياتهم الرخيصة أمام الاهانات الكبيرة التي يتعرض لها الشعب اللبناني بأكمله.
كما ان عملية اقفال الطرقات على المواطنين أيقظت كل النزعات الاجرامية لدى كل الجماعات الجانحة للجريمة والمصبوغة بألوانها الحمراء منذ ما قبل الحرب الاهلية في لبنان، سواء كانوا أفراداً أو جماعات، واستقطبتهم الى الساحات مجدداً ليتذكروا “امجادهم الغابرة” في قطع الطرق وتنفيذ الاعدامات الجماعية عليها وفي عمليات الذبح على الهوية التي مارسوها طوال 15 عاماً من الفلتان 1975-1990.
فسمير جعجع وسامي ابن أمين الجميل ووليد جنبلاط، وغيرهم الكثير من هذه الطبقة السياسية التي اقترنت بالجريمة المنظمة وعمليات الذبح على الهوية، تعود الان لتمتطي هذا الحراك الذي كنا نريده نقياً من كل الشوائب، وقد نجحت للأسف في مسعاها، وحولته الى مهرجان سياسي من خلال إدخال بعض الرموز الى هيئته التنسيقية، إضافة الى اجتياح عناصرها الحزبية لأماكن قطع الطرقات والتحكم فيها.
وبغض النظر عن كثير من الممارسات البعيدة كل البعد عن اخلاق الثوار ومبادئهم، والشوائب الجوهرية والشكلية الكبيرة التي طبعت المظاهرات، واختيار اعضاء ما يسمى بالهيئة التنسيقية من الاسماء المدموغين بالنزعات الجنونية، والحمقى وقصيري النظر، فإن العيب الاكبر الذي قضى على كل الآمال بالتغيير يتمثل في قطع الطرقات المرذول من كل طبقات المجتمع اللبناني. اذ يفهم اللبنانيون جيداً انه لا يمكن لثائر ان يقطع طريق مهما كانت المبررات والذرائع، وان عمليات قطع الطرق مهما اتخذت من عناوين لا يجيدها الا قطاع الطرق من المجرمين والسفلة.
هنا قتلت ثورة 17 تشرين اول 2019. وهنا قضي على آمال اللبنانيين بالتغيير بكل حزن وأسف.

————-

*كاتب وصحافي

مقالات ذات صلة