مميزشعر وأدبشؤون ثقافية

هروب الادباء الى الأحلام .. هل للتحرر من الزمن؟ أم من القيود؟

 

“الدنيا نيوز” – دانيا يوسف

لماذا لم تغب الأحلام عن آداب أية ثقافة في العالم؟ وما الذي توخاه منها حشد من عمالقة الأدب على مرّ التاريخ من هوميروس إلى بورخيس؟
بالنسبة للبعض، كانت الأحلام المصدر الرئيس الذي استقوا منه أعمالهم النثرية أو الشعرية. وبالنسبة لآخرين، كانت الأحلام بحكم عشوائيتها مسرحاً يسمح للأديب بالتفلّت من قيود الواقعية، وبنسج أحداث أقرب إلى الفانتازيا يكمل بها خطاب عمله الأدبي. ولكن، هل يعني التفلّت من قيود المنطق والواقع أن فضاء الكتابة عن الأحلام حرّ تماماً، ويسهل خوض غماره؟
كان خورخي لويس بورخيس قد كتب في إحدى قصصه عن حياة كاملة في المسافة القصيرة التي تقطعها الرصاصة من فوهة المسدس حتى رأس المحكوم عليه بالإعدام. المكان متحوّل أيضاً في الحلم، فالحالم يقطع في الخطوة هناك بلداً كبيراً أو حتى قارة.
يتأمل المرء نفسه في الحلم بدلاً من تأمل العالم من حوله، فيدخل في ذاته كما يقول باشلار، وهكذا يكون هو نفسه الممثل والكاتب والجمهور والمسرح دفعةً واحدة على حد تعبير الشاعر الإنجليزي جون درايدرن. ويذهب الروائي الأرجنتيني إرنستو ساباتو أبعد من ذلك، حين يزعم أن الإنسان عندما يحلم يكون شاعراً فذاً، لكن ما إن يصحو من الحلم حتى يعود مجرد مخلوق بسيط.
لعل أكثر ما يغري في الأحلام وكتابتها هو فقدان الزمن منطقه فيها، فهو لا يتقدَّم بالضرورة، قد يعود إلى الوراء بل ويتوقف. ثم إن الماضي يتداخل مع الحاضر والمستقبل أيضاً، فيرى الشيخ نفسه في المنام طفلاً أو العكس، ولربما رأى نفسه طفلاً وشاباً وشيخاً في وقتٍ واحد. رب ساعةٍ في الحلم دامت أياماً بل وأسابيع.

 

كان خورخي لويس بورخيس قد كتب في إحدى قصصه عن حياة كاملة في المسافة القصيرة التي تقطعها الرصاصة من فوهة المسدس حتى رأس المحكوم عليه بالإعدام. المكان متحوّل أيضاً في الحلم، فالحالم يقطع في الخطوة هناك بلداً كبيراً أو حتى قارة. فلا غرابة إذاً لو طار المرء في أحلامه، فبدا كأنه يقيم في إحدى لوحات الروسي مارك شاغال. لكن في الكوابيس، تنعدم هذه الخفة، فتثقل الساقين كلما همّ بالفرار، فلا تتحرك إلا بعد جهدٍ جهيد كأنهما تخوضان في الوحل أو في الماء حتى يخرّ في النهاية على الأرض.
والكاتب إذ يجنح صوب الحلم في نصه يغدو أقرب ما يكون إلى الغرائبي والفانتازي فيحرر نفسه لا من القيود الواقعية فحسب بل وينعتق أيضاً من الرقابة الاجتماعية، إذ يوفر له الحلم أكثر من مخرج، غير أن هذه الحرية المطلقة إن صح التعبير لها اشتراطاتها الفنية أيضاً. ربما كان الانفلات في الحلم طبيعياً، مهما جمح، بيد أنه في الكتابة انفلات يكبحه السارد كلما لزم الأمر. لعل هذا ما دعا أحد المحررين الأدبيين المعاصرين إلى تحذير الكتّاب من خطورة كتابة الأحلام فهي ليست بالسهولة التي يتصورها الكاتب، فالمرونة التي توفرها من جهة، تستلزم من جهة أخرى صلابة فنية دقيقة وصارمة من دون أن ننسى طبيعة الأحلام المشوشة والعشوائية.
ألف ليلة وليلة: الحلم الذي اقتبسه العالم
في الحديث عن الأحلام والأدب، ربما يجب أن نبدأ بألف ليلة وليلة، فلطالما اندست الأحلام في لياليها. نتذكر ذلك الحلم الشهير الذي هتف لتاجر من بغداد أن سافِر إلى القاهرة من أجل كنز من الذهب، ولما ارتحل هناك أُلقي القبض عليه في شبهة سرقة، وجيء به إلى الوالي الذي سخر منه حين عرف حكايته، إذ لطالما جاءه هو أيضاً في الحلم هاتف يحثُّه على الذهاب إلى بغداد للحصول على كنز هناك غير أنه أعرض عنه. ولما راح يصف مكان الكنز عرف فيه التاجر باحة داره. وارتحل هذا الحلم من ألف ليلة وليلة إلى ثقافات أخرى، من فمٍ إلى آخر، ومن بلدٍ إلى آخر، مع فروقاتٍ صغيرة، حتى نجد التاجر وقد تحوَّل في الرواية اليهودية إلى حاخام، وفي الرواية الإنجليزية إلى مزارع.
ونجد كثيراً من التنويعات على هذا الحلم عند كتّاب مشاهير أبرزهم بورخيس. فالأحلام من ثيمات الأرجنتيني المحببة إلى جانب المرايا والمتاهات، وقد اعتاد أن يدونها كل صباح ثم يقصها لأمه العجوز ولزوجته فيما بعد. ومن نافلة القول إن جزءاً لا بأس به من قصص بورخيس ليست في الأصل إلا أحلامه شأنه في ذلك شأن إدغار آلن بو، وإن كان الأمريكي يعول على الكوابيس أكثر من الأحلام في كتابة قصصه المرعبة، حتى يظن المرء أن بو كان يصحو خائب الأمل كلما نعِم بليلة هانئة تخلو من الكوابيس.
كافكا هو الآخر يعتمد بشكلٍ كبير على الأحلام والكوابيس. ألم يتحوَّل غريغور سامسا إلى حشرة ضخمة بعد ليلة مليئة بالأحلام المزعجة؟ فكأن كوابيسه قد غادرت حدود النوم وراحت تتحقق على أرض الواقع. وعلاقة كافكا بالأحلام تتجاوز عالمه الأدبي بل وتتعداها إلى الواقع، فقد روي عنه عندما قضى ليلة في بيت صديقه ماكس برود، أنه دخل بالخطأ غرفة والد ماكس، وفزِع الرجل، فما كان من كافكا إلا أن انسحب معتذراً وهو يقول: “اعتبرني حلماً”.
لنتذكر معا ملحمة جلجامش، ألم يرَ جلجامش في منامه نجماً يهوي في الأرض؟ لم يكن ذاك غير أنكيدو. ثم ألم يحلم مرَّة أخرى بالجبل الذي يسقط؟ ليطمئنه أنكيدو في الحال بقوله إنهما سيتمكنان من قتل خمبابا الرهيب. ستتوالى هذه الأحلام والرؤى في الملحمة السومرية وستتحقق جميعها كما لو أنها نبوءات أو رسائل من الآلهة.
ونجد الأحلام أيضاً في إلياذة هوميروس وفي “الحرب والسلم” لتولستوي و”الجريمة والعقاب” لديستويفسكي. فالأعمال الكبيرة تكاد لا تخلو منها إما بطريقة مباشرة وإما غير مباشرة. ويمكن للعمل الأدبي أن يقوم بأكمله على الحلم كما في رائعة لويس كارول “أليس في بلاد العجائب” أو تضميناً وهو السائد، وربما لعب الحلم دوراً خطيراً كما هو الحال في رواية “1984” لجورج أورويل. إذ وشت الأحلام ببطله وينستون وزجته في غيابة السجن، أو دوراً طريفاً كما في قصة انريكي اندرسن امبرت حين رأت امرأة غيور زوجها في المنام يغازل إحداهن فصحت تتساءل بغضب، إذا كان زوجها يتجاسر في أحلامها فما الذي لا يجرؤ على فعله عندما يكون وحيداً في أحلامه.
هناك من أفرد كتاباً خاصاً لأحلام كتّابه المفضلّين حين راح يتخيل المسارات الليلية لأرواحهم على حد تعبير الإيطالي تابوكي حين قدَّم لكتابه “أحلام”، وقد سار على نهجه أيضاً القاص والشاعر المغربي عبدالقادر وساط في كتابه البديع “النمر العاشب”.
أليس في بلاد العجائب
تجلس أليس بجانب أختها على منحدر، تتململ من الضجر، تلقي نظرةً على كتاب أختها فلا تقع عينها على صور ولا حوارات فلا يثير الكتاب اهتمامها. الجو حار وخانق، يداهمها النعاس فتنزلق إلى النوم ويبدأ الحلم / الرواية. يمر أرنب يُحدّث نفسه فيلومها على التأخير. لا تبدي أليس أي دهشة، وذاك شأن الحالم إذ تبدو أكثر الأحداث غرابة في المنام طبيعية جداً، وهذا ما يعرفه جيداً لويس كارول. تركض خلف جحر الأرنب فتهوي فيه لزمن طويل، حتى بدا أنها لن تصل إلى القاع، لكنه الزمن في الحلم إذ يتمدد وينكمش فجأة. تصغر بمشروب وتكبر كذلك، ثم تصغر وتكبر، فتتبادل الحديث مع الطيور والقطط والأرانب. يختفي القط فجأة ويظهر، والملكة أيضاً، وكذا الأشياء في الحلم تظهر وتختفي بلا مقدمات ولا وداعات. يسألونها عن الوقت، وعندما تجيب يقولون إنها تتأخر يومين! أما أرنب مارس فقد تشاجر مع الوقت وهكذا تحنط الوقت بالنسبة له وبقي ثابتاً مكانه. لا تكف أليس ومن حولها عن هذه السلسلة من التحولات حتى عندما تسألها إحداهن: من أنتِ؟ تجيب بكثيرِ من الحرج: “أنا .. لا أدري يا سيدتي، على الأقل في الوقت الراهن، أعرف ما كُنتُه عندما استيقظت هذا الصباح، لكن أظن أني تحولت عدّة مرات منذ ذلك الحين”. وهكذا ينجح الكاتب كل مرة في القبض على ماهية الحلم.
إننا لا نعرف عملاً يقاربه في التوظيف الأمثل لجميع عناصر الحلم بكل كفاءة وإتقان. يقول القارئ الشهير ألبرتو مانغويل إنه لا يلبي أي دعوةِ حتى ولو لفنجان قهوة من شخص لا يحب أليس في بلاد العجائب! كم يبدو سلوكاً طبيعياً حين نعلم أنه لفرط محبته لهذا العمل سمَّى ابنته البكر “أليس”.
الكاتب إذ يجنح صوب الحلم في نصه يغدو أقرب ما يكون إلى الغرائبي والفانتازي فيحرر نفسه لا من القيود الواقعية فحسب بل وينعتق أيضاً من الرقابة الاجتماعية، إذ يوفر له الحلم أكثر من مخرج، غير أن هذه الحرية المطلقة إن صح التعبير لها اشتراطاتها الفنية أيضاً.

مقالات ذات صلة