من هرمز إلى باب المندب: جغرافيا الاختناق واقتصاد الخوف … المضيقان اللذان يحكمان العالم!!!

 

خاص – “الدنيا نيوز”

 

بقلم : الدكتورة ميرنا داود

الجغرافيا لا تنتقم، لكنها تتذكر. وحين تتأزم السياسة، تعود الخرائط لتقول كلمتها الأخيرة. وما يحدث اليوم بين مضيقين لا تفصل بينهما سوى 2000 كيلومتر، هو إعادة كتابة لنظام التجارة العالمي الذي ظننا أنه مستقر.

أولاً: نظرية عنقي الزجاجة المزدوج Double Chokepoint

في علم الجيو-اقتصاد، هناك ممرات لا يمكن تعويضها، تسمى Choke Points. العالم يملك 8 منها، لكن اثنين منها فقط يتحكمان بمصير الطاقة والسلع معاً:

1. مضيق هرمز:

33 كم عرضاً في أضيق نقطة. يمر عبره 21-23 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل 25% من إمدادات النفط والغاز العالمية، وثلث تجارة الأسمدة و46% من تجارة اليوريا العالمية. هو شريان الطاقة.

2. باب المندب:

29 كم عرضاً. يمر عبره 12% من التجارة العالمية، و30% من حركة الحاويات، و15% من التجارة البحرية المنقولة، و4.2 مليون برميل نفط يومياً. لكنه ليس نفطاً فقط، بل 40% من تجارة المكانس الكهربائية في العالم، و25% من الميكروويف، و20% من الألمنيوم تعبره. هو شريان السلع. 0179

قبل شباط(فبراير) 2026، كان العالم يتعامل معهما كأنهما مضمونان. اليوم، أصبحا سلاحاً.

ثانياً: الأزمة كمهندس خرائط.. ماذا حدث؟

بدأت القصة بإغلاق هرمز عملياً بعد الحرب الأمريكية-الإيرانية. 400 سفينة و6000 بحار عالقون، سفن تطفئ أجهزة التتبع AIS وتتسلل بمحاذاة الساحل الإيراني هرباً. النتيجة: السعودية التي كانت تصدر 7 ملايين برميل يومياً عبر الخليج، نقلت 5 ملايين برميل يومياً إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.

وهنا دخل باب المندب كطوق نجاة. ثم في يوليو الحالي، أعلن الحوثيون حصاراً على الشحنات السعودية عبر باب المندب. فجأة، أصبح طوق النجاة نفسه هدفاً.

النتيجة الجيو-اقتصادية الفورية كانت صادمة:

– زمن الرحلة:

من ينبع إلى تايوان عبر باب المندب 19 يوماً، عبر رأس الرجاء الصالح 48 يوماً. شهر كامل يضاف للرحلة.
– *التكلفة:* قفزت كلفة الوقود وحدها من 1.26 مليون دولار إلى 2.87 مليون دولار للرحلة، بالإضافة إلى مليون دولار رسوم عبور قناة السويس، ثم تفريغ جزئي في خط سوميد لأن الناقلات العملاقة لا تستطيع عبور السويس محملة.
– *التأمين:* أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب قفزت أكثر من 1000% منذ بداية الصراع، وشركات مثل ميرسك وهاباغ بدأت تحويل مسارها حول أفريقيا منذ آذار (مارس).

تقدير الخسارة في حال الإغلاق المزدوج: 10 مليارات دولار يومياً من التجارة العالمية معرضة للخطر. 9431

ثالثاً: الخريطة الجديدة التي ترسم الآن بالأنابيب

الأزمات لا تغلق طرقاً فقط، بل تفتح طرقاً لم تكن لتولد في زمن السلم. وهذا ما يحدث الآن:

العالم قرر أن لا يبقى رهينة لمضيق واحد. حسب تقديرات Goldman Sachs، فإن مشاريع الالتفاف الجديدة ستتمكن بحلول نهاية 2028 من نقل 60% من النفط الذي كان يمر عبر هرمز:

– *السعودية:* خط الشرق-غرب ينقل حالياً 7 ملايين برميل إلى البحر الأحمر، وستضيف 1-2 مليون أخرى بحلول 2029 ليصل إلى 9 ملايين.
– *الإمارات:* خط حبشان-الفجيرة ينقل 1.8 مليون، سيتضاعف إلى 3.6 مليون بحلول نهاية 2027.
– *مصر وخط سوميد:* أصبح هو الشريان الاحتياطي، ينقل 2.5 مليون برميل يومياً من العين السخنة إلى سيدي كرير.

لكن هذه الحلول، كما تقول الفلسفة، تحمل بذور أزمتها. الأنابيب نفسها قابلة للاستهداف (كما حدث لخط الشرق-غرب في 2019)، والغاز المسال لا يمكن نقله بالأنابيب، ورحلة أفريقيا تظل مكلفة وملوثة.

الخاتمة: الجغرافيا تعود للانتقام

كنا نظن أن العولمة ألغت الجغرافيا. أن الإنترنت والطائرات جعلت المضائق مجرد أسماء في كتب التاريخ. فجاءت أزمتا هرمز وباب المندب لتذكرنا بحقيقة بسيطة:

أن 80% من كل ما نلبسه ونأكله ونستخدمه ما زال يأتي في حاوية، وأن الحاوية ما زالت تمر من باب ضيق عرضه 3 كيلومترات فقط.

من يسيطر على البابين لا يسيطر على النفط فقط، بل على أسعار الخبز في السودان، والأسمدة في الهند والبرازيل، والسيارات في أوروبا.

الخرائط الجديدة لا ترسم بالحبر هذه المرة، بل ترسم بالنفط الذي لا يصل، والسفينة التي تطفئ نورها خوفاً، والبحار الذي ترك وحيداً في عرض البحر بلا طعام ولا وقود.

وهذا هو الدرس: حين تتعطل الجغرافيا، لا يتعطل الاقتصاد وحده، بل يتعطل معنى أننا عالم واحد.