ما الذي يبقى بعد أن يهدأ التصفيق..؟
خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم: العميد منذر الأيوبي*
ثمة أعمار نعيشها تحت أنظار الناس، وأعمار أخرى نحياها تحت أنظار ضمائرنا.. في الأولى ننشغل بما نحققه من موقع ومكانة، يرافقها التصفيق أحيانًا وربما بعض ملامة؛ وفي الثانية نلتقي بما صرنا عليه، لمّا تهدأ الضوضاء وتتراجع الأضواء، يرافقها صمت المساحة، وفيها يسمع الإنسان روح نفسه وخباياه..
ثمة يوم يأتي لم يُدرج في تقويم، ولحظة تبرق يجهلها توقيت، لا يحددهما عمر.. في غدوة قد يأتيان أو على صهيل شمس الأصيل.. يلتفت الإنسان إلى الوراء، ليجد كثيرًا مما شغل سنواته قد تغيّر؛ المناصب التي تبوأها صارت لغيره، والوجوه التي اعتاد حضورها غاب بعضها، والبعض الآخر أخذ طريقه إلى العالم الآخر..
أما التصفيق والترحيب اللذان ملآ بعضَ محطاتِ حياته، فقد تحولا صدىٍ بعيد تبتلعه الذاكرة شيئًا فشيئًا…
عند تلك العتبة يبدأ السؤال الحقيقي: ما الذي يبقى..؟
المناصب، مهما بلغت أهميتها، محطات عابرة في السفر. قد تمنح سلطة وتأثيرًا، لكنها لا تعبّر بالضرورة عن القيمة الحقيقية لصاحبها.. الكرسي يبقى في مكانه فيما يتبدل الجالسون عليه، والوظائف تتوارثها الأجيال كما تتوالى الفصول مواسم.. وما ظنه كثيرون جزءًا من هويتهم، تطيح به الأيام، فيصبح مجرد دور أُدّي وانتهى…
ثم إن أكثر ما يكشف هذه الحقيقة هواتف كانت لا تهدأ، وأبواب اعتادت أن تُفتح، باتت توجب أن تُقرع.. بعض الناس، وحتى بعض الأقرباء، كانوا يقتربون من المنصب والدور لا من صاحبه.. عندها يأتي الإدراك المتأخر بأن الزمن يمتلك قدرة هادئة وقاسية في آن على تعرية العلاقات وكشف جوهرها..
أما الأصدقاء، فتلك حكاية أخرى.. بعضهم يبتعد بإرادته، وآخرون يشغلهم سعي في مناكبها، وراحلون يتركون في القلوب فراغًا لا يُملأ وحزنًا لا يخبو.. فجأة يجد المرء نفسه يتأمل صورًا قديمة، ويتذكر أحاديث لطالما بدت عادية، فإذا بها تتحول كنوزًا من حنين…
غير أن حكمة العمر تكمن في فهم معناه.. فالزمن لا يسلب الإنسان كل شيء، بل يعلمه التمييز بين ما هو عابر وما هو جوهري.. إنه أشبه بنهر هادر يجرف الزوائد ويترك الصخور الراسخة.. وما يبقى في النهاية ليس عدد المعارف، بل صدق العلاقات.. وليس حجم الإنجازات، بل قيمتها الإنسانية.. وليس مقدار ما جمعناه لأنفسنا، بل مقدار ما منحناه للآخرين..
بعد أن يهدأ التصفيق، تتغير المعايير.. لم يعد الربح في موقع جديد أو لقب إضافي، بل في القدرة على النظر إلى الماضي بلا ندم، وإلى الحاضر دون مرارة، وإلى المستقبل دون خوف.. لم تعد الخسارة في غياب الأضواء، بل في فقدان المعنى، أو الجفاف الداخلي، أو العجز عن المحبة..
ثم إن الإنسان، مع تراكم السنين، يعيد قراءة أسفار العمر، فيكتشف حقيقة طالما غابت عنه وسط صخب الحياة.. أن ما يبقى عنه ومنه ليس ما دوّنته صحف ولا حفظته سجلات، بل ما استقر في ذاكرة الناس ووجدانهم.. كلمة صادقة.. موقف شجاع.. يد امتدت وقت الحاجة.. مواساة خففت ألمًا.. أو خير قُدِّم بصمت دون انتظار مقابل..
غير أن السؤال لا يتوقف عند حدود الذاكرة البشرية.. فالناس يرحلون، والأجيال تتبدل، وما تحفظه الذاكرة اليوم قد يطويه النسيان غدًا.. لذلك يتجاوز التأمل سؤال ما يتذكره الناس منا، إلى سؤال ما يبقى منا حين يغيب الشهود أنفسهم.. إلى السؤال الأعمق: ماذا يبقى منا في ميزان الحقيقة..؟
في الرؤية الروحية، ليست حياة الإنسان مجرد عبور بين ميلاد وموت، بل مسيرة نحو اكتمال لم يتحقق بعد.. ليس المعيار ما امتلك، بل ما بناه في داخله.. وما يرافقه إلى العتبة الأزلية ليس ما جمعته يداه، بل ما صاغ قلبه من محبة ورحمة وصدق…
ولعل الأجمل أن الله لا يسأل عن حجم التصفيق الذي ناله الإنسان، بل عن مقدار النور الذي حمله إلى الآخرين.. فالأبدية لا تحفظ الألقاب، ولا تحتفظ بالمواقع، بل تحفظ المحبة، لأنها وحدها قادرة على عبور حدود الزمن..
وربما لهذا السبب يبدو بعض الراحلين أكثر حضورًا من كثير من الأحياء.. غابت أجسادهم، لكن بقي أثرهم في الكلمات التي قالوها، والقيم التي عاشوها، والمحبة التي زرعوها في القلوب.. وكأن الإنسان لا يرحل تمامًا ما دام شيء من روحه لا يزال حيًا في حياة الآخرين.
في نهاية المطاف، لا تبقى الأريكة بل السيرة، ولا يدوم المنصب بل الأثر.. فحين تهدأ الضوضاء وتصفو الرؤية، يكتشف الإنسان أن أثمن ما امتلكه لم يكن ما وضعه الزمن بين يديه، بل ما استطاع أن يزرعه في الناس من معنى..
لأعود إلى التساؤل.. ما الذي يبقى بعد أن يهدأ التصفيق..؟
يبقى ما لم يكن يحتاج التصفيق أصلًا.. تبقى الكلمة الطيبة، واليد التي رفعت متعبًا، والدمعة التي مسحت خدًا، والخير الذي صُنع في الخفاء.. يبقى ما كان يشبه النور أكثر مما كان يشبه الضجيج..
وحين ينظر الإنسان إلى عمره من شرفة السنوات، يعثر على كنه الحقيقة.. أن الحياة لم تكن رحلة بحث عن المجد، بل رحلة بحث عن المعنى.. وأن القيمة المطلقة لم تكن في أن يعرفه الناس، بل في أن يكون جديرًا بأن يعرف نفسه، وأن يقف بسلام أمام خالقه…
هناك.. حيث يصمت العالم كله، لا يعود السؤال: ماذا كان الإنسان..؟ بل: ماذا صار عليه..؟
———————————-
*عميد متقاعد؛ كاتب وباحث.