لماذا نضَبَتْ منابع الفكر في بلداننا؟

 

خاص – “الدنيا نيوز “

 

بقلم : الدكتورة ميرنا داود *

الفكر ليس ترفاً.

هو الماء الذي تسقى به المجتمعات حتى لا تتيبس. وعندما تجف منابعه، نرى التكرار بدل التجديد، والخوف بدل السؤال، والاجترار بدل الإبداع. النضوب لم يحدث فجأة. هو نتيجة تراكمات عمرها عقود. إليك أهم الروافد التي جفت:

 

١. تحول التعليم من إنتاج العقل إلى حشو الذاكرة

 

– التلقين بدل النقد: أغلب أنظمتنا التعليمية تكافئ من يحفظ، لا من يسأل “لماذا؟”. الطالب المتفوق هو من يكرر كلام الكتاب، بينما يُنظر للطالب المشاكس فكرياً كمشكلة يجب تهذيبها.

– فصل المعرفة عن الواقع : المناهج تدرس كأنها نصوص مقدسة ، منفصلة عن مشكلات الشارع والاقتصاد والسياسة فينفصل المتعلم عن مجتمعه، ويتحول العلم الى شهادة تعلق على الجدران.

– هجرة العقول: الأستاذ الباحث المتميز يغادر لأنه لا يجد بيئة بحث أو تقدير مادي ومعنوي. فيبقى التدريس وظيفة، لا رسالة.

 

٢. الخوف.. الشرطي الساكن في الرأس

– سقف الأسئلة المنخفض:

نشأنا وفي داخلنا رقيب داخلي يهمس: “لا تسأل هذا”، “هذا خط أحمر”.

الفكر يحتاج مساحة آمنة ليخطئ ويصحح نفسه. عندما يصبح الخطأ الفكري تهمة، يفضل الناس الصمت.

– تسييس المعرفة:

كثير من القضايا الكبرى تحولت من موضوعات للنقاش إلى معارك هوية. فإما أن تكون مع أو ضد، ولا مكان للمنطقة الرمادية التي ينمو فيها الفكر أصلاً.
– غياب ثقافة الاختلاف: لم نتعلم كيف نختلف دون أن نتخاصم. فصار البديل هو المجاملة أو الصراخ، وكلاهما يقتل الفكرة قبل أن تولد.

 

 

٣. موت المؤسسات الحاضنة للفكر.

– الجامعة المقيدة: الجامعات كان يجب أن تكون “عقل المجتمع”. لكن أغلبها تحول إلى مؤسسة تمنح شهادات فقط. ميزانيات البحث هزيلة، والترقيات مرتبطة بالكم لا بالعمق، والاستقلال الأكاديمي محدود.

– الصحافة والإعلام: تحولت من منصات للنقاش العام إلى مساحات للترفيه أو التعبئة. المقال العميق لا يبيع إعلانات، والمحتوى السريع يكسب المشاهدات. فجفت صحراء الرأي.
غياب الرعاية: في عصور ازدهارنا، كان الخليفة أو التاجر يرعى العالم والفيلسوف والشاعر. اليوم، رؤوس الأموال تدعم كرة القدم والحفلات، وتتجاهل مركز الأبحاث والمجلة الثقافية لأن عائدها غير فوري.

 ٤ ثقافة الاستهلاك بدل الإنتاج

– استيراد الأفكار الجاهزة: صرنا نستورد النظريات والحلول كما نستورد السيارات. نأخذ القالب جاهزاً دون أن نختبره على أرضنا. والنتيجة: أفكار لا تشبهنا، وواقع لا يشبه الأفكار.

– طغيان المحتوى السريع: ٣٠ ثانية على تيك توك أسهل من ٣٠٠ صفحة في كتاب. الخوارزميات تكافئ الإثارة اللحظية، والعقل النقدي يحتاج وقتاً وتأملاً وصبراً. فانتصر السريع على العميق.

– تحول المثقف إلى نجم:  بدل أن يكون المثقف شاهداً على عصره، صار باحثاً عن اللايك والترند. فترهلت اللغة، وسطحت الطروحات، وضاع المعنى.

هل من عودة للمنابع؟ 

نعم، لكن النهر لا يعود بقرار. يعود عندما نحفر له مجرى. البداية من ثلاث نقاط:
١. تحرير السؤال: نعلم أبناءنا أن السؤال أهم من الجواب. وأن “لا أعرف” هي بداية المعرفة، لا دليل جهل.
٢. الاستثمار في العقل: دعم الجامعة المستقلة، ومراكز الأبحاث، والمجلات الهادفة ، ليس خسارة مالية. هي البنية التحتية الحقيقية لأي نهضة.
٣. فك الارتباط بين الفكر والخوف: مجتمع لا يأمن فيه المفكر على فكرته، هو مجتمع يحكم على نفسه بالجفاف.
نضوب الفكر ليس قدراً. الأمم مرت بعهود انحطاط ثم عادت. المنابع لا تموت، بل تردم. ومهمتنا أن نرفع الردم.

—————————

كاتبة واستاذة جامعية