لماذا نتطرف ؟.. حين يصبح العقل سجناً..!

 

خاص – “أخبار الدنيا”

بقلم : الدكتورة ميرنا داود*

حين يصبح العقل سجناً
التطرف ليس وحشاً يولد فجأة. هو نتيجة بطيئة لعمليات طويلة تحدث داخل الفرد والمجتمع. لا أحد يستيقظ صباحاً ليقرر أن يصبح متطرفاً. بل هو مسار يبدأ حين يتوقف العقل عن السؤال، ويتحول الدماغ من أداة للفهم إلى أداة للدفاع عن القوالب الجاهزة. فكيف يحدث ذلك؟
التلقين يصنع التطرف: حين يتحنط الدماغ
الدراسات تقول إن الدماغ الذي لا يُستفز بالنقاش والتفكير النقدي يبدأ بالضمور. القشرة الدماغية تترقق، وملَكة الحكم تضعف. ولأن أغلب البشر أصلاً في مستوى الذكاء المتوسط، فالبيئة المغلقة تسحبهم للأسفل أكثر.
الدماغ مثل العضلة: الأفكار الجديدة والقراءة تصنع له شبكات عصبية تقوّيه. وغيابها يعيده إلى طور الغرائز. فيصبح الإنسان أسير الأكل والانفعال، وتتحكم به غريزة البقاء لا العقل.

هذا بالضبط ما حدث في بعض البيئات. جيلان على الأقل تربّوا على الحفظ والترديد. لا اختلاف، لا سؤال، لا بحث. المدرسة تلقن، المنبر يلقن، الإعلام يلقن. والنتيجة عقول محنطة تخاف من أي فكرة جديدة.
انظر لوسائل التواصل: خرافات وأدعية تُعاد كالببغاءات. ثقافة “الببغاء” والإشاعة هي السائدة. أما القراءة؟ فحدث ولا حرج. الأوروبي يقرأ 9 كتب سنوياً، ونحن بالكاد نقرأ نصف صفحة.
الجامعات لم تكن أفضل. الطالب لا يعرف إلا الكتاب المقرر وملخص الملخص. والأستاذ نفسه غالباً لا يقرأ. أسئلة الامتحان لا تطلب تفكيراً، بل سرداً محفوظاً.
الخوف وقود التطرف: حين يصبح العقل حارسًا للباب لا مستكشفًا
التطرف لا ينمو فقط في فراغ التفكير، بل يزدهر في مستنقع الخوف. الدماغ المحاصر بالتلقين يتحول من أداة للفهم إلى جهاز إنذار دائم. كل فكرة مختلفة يراها تهديدًا لوجوده، فيرد عليها بالهجوم أو الانغلاق.
هذا ما تسميه علوم الأعصاب “استجابة اللوزة الدماغية”: حين يشعر الإنسان بالخطر، يتوقف الجزء المنطقي ويتولى الجزء الغريزي القيادة. وهنا تكمن الكارثة.

 

المجتمعات المغلقة تزرع في أفرادها خوفًا مزمنًا من الآخر، من الجديد، من السؤال. خوف على الهوية، على المقدس، على المألوف. فيتحول العقل من باحث عن الحقيقة إلى حارس على بوابة الموروث. لا يجرؤ أن يفتحها، لأنه اقتنع أن خلفها وحوش.
وهكذا يصبح التطرف منطقيًا بالنسبة له: دفاعًا مشروعًا عن النفس ضد عالم يتوهم أنه يريد ابتلاعه.
الهوية المأزومة: حين نهرب إلى الماضي لأننا عاجزون عن المستقبل
الإنسان يحتاج معنى وانتماء. وحين تفشل المجتمعات في بناء مشاريع حقيقية للنهضة، تعود للاحتماء بالماضي. تتحول الهوية من شيء حي متجدد إلى صنم جامد نعبده.
المتطرف لا يدافع عن فكرة بقدر ما يدافع عن وجوده النفسي. التمسك الحرفي بالنص، بالطقس، بالشكل، يعطيه شعوراً زائفاً بالأمان في عالم متغير لا يفهمه. هو لا يبحث عن الله، بل يبحث عن ملجأ. ولا يطلب الحقيقة، بل يطلب اليقين السريع الذي يعفيه من تعب التفكير.
الخروج من النفق: حلول عملية لكسر الحلقة
إذا كان التطرف يولد من التلقين والخوف وأزمة الهوية، فالعلاج يجب أن يضرب هذه الجذور الثلاثة. لا نحتاج خطباً، بل أدوات تغير طريقة عمل الدماغ نفسه.

أولاً: تفكيك مصنع التلقين
المدرسة كمختبر سؤال: غيّر نمط الامتحان من “اذكر، عدد، عرّف” إلى “حلل، قارن، اقترح حلاً”. طالب لا يُمتحن على التفكير لن يفكر.
تدريب المعلم قبل الطالب: الأستاذ الذي لا يقرأ ينتج طالباً لا يقرأ. اشتراط 20 ساعة قراءة موثقة سنوياً للترقية ينهي ثقافة الملخصات.
تحرير المنبر والإعلام: استبدال “الفتوى الجاهزة” ببرامج تعلم الناس كيف يستنبطون الحكم بأنفسهم. نريد جمهوراً يفكر، لا جمهوراً يردد.
ثانياً: تبديد الخوف واستعادة الفضول
مناعة نفسية مبكرة: إدخال مهارات التفكير النقدي وإدارة المشاعر من الصف الأول. الطفل الذي يتعلم أن “الخوف شعور طبيعي يُناقش لا يُطاع” لن يتحول لراشد يرى كل مختلف عدواً.
مواجهة آمنة مع المختلف: مناظرات بإشراف مختصين، مشاريع مشتركة بين بيئات مغلقة ومفتوحة. الدماغ لا يهدأ إلا حين يرى أن “الآخر” لم يأكله.
إعلام يشرح لا يخوّف: كل خبر يجب أن يرفق بـ “سياق” و”زاوية أخرى”. عقل الجمهور يتغذى على التفسير، لا على الصراخ.
ثالثاً: بناء هوية للمستقبل لا سجن للماضي
مشروع نهضة ملموس: الشباب لا يتحصنون بالماضي إلا حين يفقدون الأمل بالمستقبل. مدن تقنية، حاضنات أعمال، مسابقات اختراع. الهوية القوية تُبنى بالإنجاز لا بالحنين.

تجديد الخطاب من الداخل: الفقهاء والمثقفون مطالبون بفصل المقدس عن التاريخي. حين يعرف الناس الفرق، يزول هلع “ضياع الدين” مع كل فكرة جديدة.
القدوة لا الموعظة: 10 علماء ورواد أعمال يفتحون مختبراتهم للشباب أهم من 1000 محاضرة عن خطر التطرف. الدماغ يقلد ما يراه ناجحاً.
قاعدة ذهبية: لا تحارب التطرف بالمنع، حاربه بالبديل. العقل الفارغ سيمتلئ. إما تملؤه أنت بالسؤال والكتاب والمشروع، أو سيملؤه غيرك بالشعار والكراهية.
خاتمة: كسر الحلقة
التطرف لم يأت من فراغ. هو نتاج حلقة مغلقة من التلقين والخوف وأزمة الهوية. وكسر هذه الحلقة مستحيل من داخلها. نحتاج عقلاً من خارج المنظومة ليهدمها.
كسر الدائرة يبدأ حين نستبدل الخوف بالفضول، ونقنع الدماغ أن السؤال ليس خيانة، بل نجاة. يبدأ حين تتحول المدرسة من مصنع للحفظ إلى مختبر للسؤال. وحين يصبح الاختلاف دليل صحة لا تهمة.
العقل الذي لا يسأل، سيُسأل عنه يوماً. والسؤال أول خطوة للخروج من الكهف.