فيلم “الأم” للسينمائي فسيفولد بودوفكين (Vsevolod Pudovkin) (2)
خاص – “الدنيا نيوز”
بقلم : دانيا يوسف*
أعلن بودوفكين أحد مؤسسي السينما السوفياتية افتتانه برواية “الأم” التي كانت من أشهر روايات الكاتب الروسي مكسيم غوركي. فتحولت “الأم” من عمل أدبي كبير إلى عمل سينمائي بوصفه الأهم بين الأفلام التي أسست للواقعية الاشتراكية.
ولا بد من الإشارة ألى أن بودوفكين كان أمينا في نقله نص غوركي من حيز العمل الأدبي إلى حيز العمل السينمائي، إذ للوهلة الأولى يبدو الفيلم وكأنه ترجمة حرفية لما في الرواية.
مكسيم غوركي المولود عام 1868 يعد أحد أهم الكتاب في الأدب الروسى، وهو مؤسس الطريقة الأدبية الواقعية الاشتراكية وخلال حياته ترأس اتحاد الكتاب السوفييت، ورحل عام 1936، تاركا إرثا أدبيا من الأعمال الخالدة فى الأدب الروسي.
ولا بد من الإشارة أن النص الأدبي كتب عام 1908 أي اثر انهيار الثورة الروسية عام 1905 وفيه عبّر غوركي عن عن نظرة واقعية إلى البعد الطبقي للثورة، وإلى لحظات الشك والقلق التي تعتري أصحاب المصلحة في تلك الثورة. عام 1926، حوّله بودوفكين إلى فيلم ينتمي إلى السينما الصامتة.
يصور الفيلم كما الرواية حياة امرأة تعمل في مصنع روسي، وتقوم بأعمال يدوية شاقة، وتكافح الفقر والجوع، مع الكثير من المصاعب الأخرى. بطلة القصة الحقيقية هي “بيلاجيا نيلوفنا فلاسوفا”، يضربها زوجها السكير ميخائيل فلاسوف وهو أحد عمال المصنع، والذي يفرط في الشراب لدرجة أن يبيع مقتنيات المنزل لشراء الخمر، ويترك لها المسؤولية الكاملة عن تربية ابنهما “بافيل فلاسوف”، وتبدأ القصة حين يموت الأب بشكل غير متوقع أثناء معركة قد نشبت في المصنع.
يبدأ بافيل في محاكاة سلوك والده بشكل ملحوظ في حالة سكره، والتلعثم، لكنه ينخرط فجأة في أنشطة الحركة الثورية، وبعد التخلي عن الشراب، يبدأ بافيل في جلب الكتب، وإخفاء المنشورات الثورية في المنزل، ونظرًا لكون بيلاجيا نيلوفنا أميًة لا تعرف القراءة، وليس لديها أية اهتمامات سياسية، فإنها في البداية تشعر بالقلق بشأن أنشطة بافيل الجديدة، وتتعامل معها بحذر، إلا أنها تريد مساعدته على الرغم من مخاوفها. تلقي الشرطة القيصرية القبض على بافيل وتعتقله، فتنضم بيلاجيا نيلوفنا إلى زملائه في الحركة الثورية، وتوزع معهم المنشورات لتكمل مسيرة الابن مدفوعة بحبها له ومتعاطفة مع قضايا العمال. يظهر بافيل باعتباره الشخصية الثورية الرئيسية. ومع ذلك، فإن بيلاجيا نيلوفنا التي تأثرت بمشاعر الأمومة لديها، وعلى الرغم من كونها غير متعلمة، تغلبت على جهلها السياسي للانخراط في العمل الثوري، تعتبر هي البطل الحقيقي للفيلم.
وحين يكتمل وعي بيلاجيا، يحدث أن يهرب ابنها من سجنه وترافقه هي على رأس تظاهرة كبيرة. وهذخ التظالهرة بالذات يهاجمها رجال الشرطة وأنصارهم مطلقين النار على المشاركين فيها ما يؤدي إلى مقتل بافيل وأمه والكثير من الثوار.
هذا التفصيل الأخير هو التبديل الذي أدخله بودوفكين على رواية غوركي التي تنتهي عند الوعي الثوري الذي اكتسبته بيلاجيا. بينما تقتل في الفيلم لأن همه الاساسي الانطلاق من تلك النهاية المأساوية وعنفها إلى غاية دعائية. فهذه النهاية التي طاولت أفراد الفيلم حتى لو كانوا أبطالا لا تهم طالما أن العلم الأحمر سوف يرفرف على الكرملين في اللقطة الأخيرة من الفيلم.
أمام الجمال التشكيلي للفيلم حينها ووسط الاندفاع الذي كان قائما في ذلك الحين للأفكار الثورية، لم يوجه انتقاد كبير إلى تلك النهاية. واعتبر الفرنسي ليون موسبناك أن “أشخاص بودوفكين لا يمثلون لحظة من حياة الإنسانية، بل هم الإنسانية كلها”.
ولكن خلال الأزمان اللاحقة عادت سهام النقد ووجهت إلى أيديولوجية الفيلم خصوصا حين بولغ في استخدام “الأم” في الدعاية الستالينية. غير أن ذلك لم يقلل من الأهمية الفنية للفيلم، ولا من التفاعل مع شخصيته الرئيسية بيلاجيا.
————————————
اعلامية، رئيسة القسم الثقافي في موقع “اخبار الدنيا”