فلسفة التصدّع في الجسد السياسي..

خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم : الدكتورة ميرنا داود*

الانقسام السياسي ليس عارضاً طارئاً على الاجتماع البشري، بل هو تجلٍّ لمأزق أنطولوجي أعمق: كيف نعيش معاً ونحن مختلفون؟ الدولة الحديثة وعدتنا بـ”عقد اجتماعي” يحوّل تعددنا إلى وحدة. لكن حين يتصدّع هذا العقد، نكتشف أن الوحدة كانت وهماً مُداراً بعناية، وأن الاختلاف لم يُحلّ بل أُجّل.

من الاختلاف إلى العدو: جدل الصديق والخصم

كارل شميت حدّد السياسي بثنائية الصديق والعدو. في لحظة الانقسام، ينهار الفضاء العام الذي يدير الاختلاف، ويعود السياسي إلى حالته الخام: تصنيف وجودي. لا نعود نختلف حول الضرائب أو الصحة، بل نختلف حول “من نحن”. الطرف الآخر لا يصبح صاحب رأي خاطئ، بل خطر على معنى الجماعة. هنا تولد الميتافيزيقا السياسية: كل معسكر يرى نفسه حارساً للحقيقة، للهوية، للمستقبل. والحقيقة، كما في نصك الأول، لا تكون جمعاً لصحائح الجميع، بل تصبح ضحية أولى للحرب.

زمنية الانقسام: جراح لا تندمل بالتقادم

الانقسام لا يعيش في الحاضر فقط. هو يستدعي التاريخ ويستعمر المستقبل. كل طرف يؤرشف مظلوميته، يصنع منها سردية كبرى، ويحوّلها إلى قدر. الماضي لا يمر، بل يتراكم كطبقات جيولوجية من الحقد. وهكذا يُسجن المستقبل: لا نُشرّع للغد، بل ننتقم للأمس. هذا ما سمّاه نيتشه “استياء الضغينة” حين يتحول العجز إلى قيمة أخلاقية، ويصبح الانتصار الوحيد هو إفناء الآخر رمزياً.

خدعة الحياد: استحالة البرج العاجي

في زمن الاستقطاب، ادّعاء الحياد هو موقف سياسي بحد ذاته. حنة أرندت حذّرتنا: انهيار الفضاء العام يبدأ حين يكفّ الناس عن الكلام معاً ويكتفون بالكلام عن بعضهم. الصمت ليس براءة. والانسحاب ليس حكمة. لأنه يترك الساحة لمن يملك أعلى صوت، لا أعمق حجة. الحياد في سفينة تتمايل يعني الغرق مع الجميع.

ما بعد الانقسام: شروط المصالحة المستحيلة

المصالحة ليست عناقاً عاطفياً. هي اتفاق بارد على قواعد العيش معاً رغم انعدام الثقة. وشروطها ثلاثة:

الاعتراف المتبادل بالهشاشة: لا أحد يملك الحقيقة كاملة. كلنا أبناء زوايا رؤيتنا، محطات جهلنا وطفولتنا المعرفية. الاعتراف بهذا ليس ضعفاً، بل هو الشرط الأول للعقل.
تفكيك قداسة السرديات: كل جماعة تصنع أسطورة مؤسسة. المصالحة تبدأ حين نجرؤ على رؤية أساطيرنا كتاريخ، لا كدين.
إعادة اختراع الدولة: الدولة ليست حكماً بين متخاصمين. هي الإطار الذي يحوّل الخصومة من حرب إفناء إلى تنافس منضبط. حين تفشل الدولة في ذلك، تتحول هي نفسها إلى غنيمة، ويصبح الانقسام هو الدستور الفعلي.

 

محظوظ من لم يتوقف عند محطة

الانقسام يغري باليقين. يمنحنا راحة الانتماء لمعسكر، ولذة احتقار الآخر. لكنه يقتل أعظم ما فينا: القدرة على المراجعة. المحظوظ حقاً، كما قلت، هو من لا يتوقف عند محطة. من يرى كل قناعة كجسر لا كبيت. من يفهم أن الحقيقة ليست كنزاً نملكه، بل أفقاً نسير إليه. وأن كل محطة، حتى لو بدت نهائية، هي مجرد زاوية رؤية… ستأتي التي بعدها لتنفيها، أو لتطورها، أو لتحوّلها إلى عدمية.

الخيار لنا: إما أن نتحول إلى سجناء في رواياتنا الصغيرة، أو نجرؤ على أن نكون مشروعاً مستمراً من التعلم… الذي لن يصل إلى الحقيقة قط، لكنه سيقترب منها كلما اتسع ليرى جهله.