مميزالافتتاحية

رياض سلامة هو الأزمة … وإسقاطه واجب وطني وأخلاقي

 

 

بقلم : عباس صالح*

 

سيخرج علينا حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة غداً، ليتوج “فرماناته” التي كان قد بدأ بإصدارها منذ بداية الازمة المالية العاصفة بلبنان، وهي بمجملها فرمانات هجينة مشفَّرة، لا يمكن لأي عاقل ان يفهم مؤدياتها، باستثناء بعض منها مما كان مفهوماً علناً وينص بصراحة ووضوح على تغطية عمليات السطو المعلن التي طالت أموال الناس في البنوك، فضلاً عن التعاميم التي غطت عمليات الصرافة غير القانونية والتعاميم التي تحض الصرافين بصراحة وقحة على رفع أسعار الدولار في مقابل العملة الوطنية، كلما تعرض لضغوطات سياسية، ومنها “التعاميم الخبيثة” التي كان يطلب فيها من الصرافين التقيد بشراء الدولار بسعر محدد، لكنه يمتنع عن تحديد سعر مبيعه، علماً أن ذلك الخبث وسواه كان واضحاً للعيان في فرمانات الرجل الذي ما يزال يظن انه الحاكم بأمره، وانه فوق مستوى المحاسبة والمساءلة، لاعتقاده بأن ما “زرعه” في أرض بعض السياسيين من عطايا وهبات ورشى، لا بد سيثمر حماية طبيعية على اعتبار أنها ستكون حماية مزدوجة لهم وله. ولذلك رأيناه يتعاطى بفوقية وتعجرف حتى مع رئيسي الجمهورية والحكومة، ولا يكترث حتى لمطالبتهما له بالتدخل وايقاف تدهور سعر صرف الليرة والانهيار الاقتصادي، الذي تسبب به متعمدا، وفق كل المؤشرات والخلاصات.

 

تتجمع الدلائل التي تؤكد على ان رياض سلامة هو المسؤول عن الانهيار الاقتصادي والمالي، حتى ولو كانت هناك قطاعات اخرى تشهد فساداً مالياً ضخماً وسرقات، لكنه هو المسؤول الاول عن المال في الجمهورية، وهو العارف بالتالي كل شاردة وواردة في هذا السياق، وهو شخصياً من وزع الهبات المالية الضخمة للسياسيين ولبنوكهم المتعثرة والتي لم يكن آخرها هبة منحها لبنك البحر المتوسط (med bank ) الذي يملكه رئيس الوزراء السابق سعد الحريري والتي فاقت النصف مليار دولار من خزينة الدولة لإعادة تعويم البنك المتعثر، وهو الضالع بلائحة من المخالفات لا حصر لها، ولا تنقضي بمقال.

لكن هذه المخالفات والارتكابات هي التي جعلت سلامة يتصرف ب”طاووسية” مليئة بالتكبر والتعجرف في التعاطي حتى مع رؤساء الدولة، بعدما نسج جراءها “شبكة أخطبوطية” جعلت من المرجعيات الطائفية والحزبية والميليشياوية على اختلافها تتقاطع في مناصرته، بحيث رأى بطريرك الموارنة فيه اختصاراً للطائفة، رغم ان أخصامه الاساسيين من الموارنة، واعتبرت دار الفتوى ان الهجوم عليه هجوم على السنية السياسية، رغم انه يتمرد على الموقع السني الاول في الدولة ويتعاطى معه بازدراء وتنكر، واعتبره الحزب التقدمي الاشتركي بمثابة شرف الدروز وممثلاً لكرامتهم، ودافع عنه رئيس مجلس النواب في الحكومة وهدد بالويل والثبور وعظائم الامور اذا تم المس بالحاكم الذي ظننا بعد سماع مطالعة بري وتهديداته، انه يلبس عباءة الامام السيد موسى الصدر! وتدخلت بعض السفارات الاجنبية، ملقية بالفيتو على من وصفه بعضها برجلها الاول في لبنان راسمة حوله الخطوط الحمر، وانقلب “ثوار 17  تشرين” حياله، إنقلاباً مريباً، وباتوا متناغمين معه وعاملين لحسابه، وانبرت بعض مؤسسات الاعلام اللبناني للدفاع عنه بشراسة كما لو انها تخوض معركة حريات في مواجهة طاغية!!

بالمعايير الوطنية البحتة، إن أي رجل يتنكب منصباً رسمياً في دولة ما، ويتعاطى مع دولة اخرى أجنبية، هو خائن، فكيف اذا كان هذا الموظف بحجم حاكم مصرف مركزي؟ وما هو تعريفه الفعلي، بالمعايير نفسها، اذا كان هذا الحاكم يقدم مصالح الدولة الأجنبية على مصلحة بلده وشعبه؟

بالمعايير الانسانية البحتة، إن أي إنسان يتواطأ على لقمة فقراء الناس، ويسهم في سلبهم قروشهم البيصاء المودعة في البنوك تحسباً لأيام سوداء كالتي نشهد بدايتها اليوم، لصالح طبقات الاثرياء وما فوق الاثرياء، وحيتان المال، ويقدم مصالح المتخمين على جوع الجائعين هو وحش بشري لا يستحق ان يحمل شرف الانسانية، فكيف والحال إذا كان في أعلى درجات الوظيفة كحاكم بأمر المال! كيف يمكن ان يُترَك حاكم لديه صلاحيات أخطبوطية في مقامه الوظيفي العالي، اذا كان لا يعيش إنسانيته المثلى بأدق تفاصيلها؟ ما الذي يمكن يردعه عن اقتراف أبشع الموبقات بحق مواطنيه – الرعايا، كما يحدث اليوم في لبنان؟.

حتى بالمعايير الدينية والسماوية، السارق مجرم، والنصاب مجرم، والمتستر على السارقين مجرم، والمشارك معهم كذلك، والمبدد لأموال الناس، والمبذِّر فيها مجرم، والمسيء للأمانة مجرم، والكاذب والعنجهي المتعجرف أيضاً مرذول في كل الأديان، فكيف والحال مع حاكم مصرف قدم نفسه على انه منقذ الجمهورية، وطرح ما أسماها بال”هندسات المالية” ونفذها طيلة28 عاماً، وجمع جنى أعمار اللبنانيين وشقائهم في الداخل كما في بلدان الاغتراب، ثم بددها ووزع الاجزاء الاكبر منها على شكل هِباَت وعطايا ورشى على الطبقات السياسية والهيئات المالية والمصرفية، وبعض الاعلاميين المقربين منه، والمحطات التلفزيونية والصحف والمواقع المعروفة بأسمائها وأصحابها، وبعض كبار الموظفين في المؤسسات الرسمية، قبل ان يخرج ليخبرنا عن إفلاس الدولة والخزينة واختفاء مئات مليارات  الدولارات للمودعين وأصحاب الحقوق!!

————

*رئيس تحرير موقع “الدنيا نيوز”

مقالات ذات صلة