خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم الدكتورة ميرنا داود*
التطرف كاغتيالٍ للسؤال
التطرف ليس مجموعة افكار، بل هو موت الفكرة. هو اللحظة التي يعلن فيها العقل إفلاسه، فيستقيل من مهمة الشك ويتقاعد في معبد اليقين المغلق. المتطرف لا يملك جواباً، بل يملك إلغاءً للسؤال. لا يقتل المختلف، بل يقتل الاختلاف ذاته كشرطٍ للوجود.
من هنا، لا تُهزم الفكرةُ المغلقة برصاصة، لأن الرصاصة تقتل الجسد وتؤبد الفكرة. تُهزم الفكرةُ بفكرةٍ أوسع منها، بجرحٍ في جدار يقينها، بثقبٍ تدخل منه الريح. وهذا هو معنى المقاومة بالثقافة: أن تطلق الريح في المعابد المغلقة.
التطرف: دولةٌ بلا عقد، لغةٌ بلا مجاز:
المتطرف هو كائن ما قبل الدولة وما قبل اللغة. ما قبل الدولة لأنه يرفض العقد: لا يعترف بـ”الآخر” شريكاً، بل يراه مادةً للإلغاء أو الهداية القسرية. وما قبل اللغة لأنه يقتل المجاز: يحرق الاستعارة لصالح الحرف، ويذبح التأويل على مذبح النص الواحد.
في دولة التطرف لا مواطنة، بل رعية.
وفي لغته لا شعر، بل أوامر.
هو عودةٌ طوعية إلى “حالة الطبيعة” التي حذّر منها هوبز: حرب الكل ضد الكل، لكن باسم السماء هذه المرة.
الثقافة هنا هي نقيضه البنيوي. لأن الثقافة، في جوهرها، عقدٌ لغوي. هي الإقرار أننا نحتاج الآخر لنكمل جملة المعنى.
أن “أنا” لا تكتمل إلا بـ”أنت”،وأن الحقيقة لا تُملك، بل تُتداول.
أركان المقاومة: كيف يصير الجمال سلاحاً
المقاومة بالثقافة ليست محاضرةً في الأخلاق، بل هندسةٌ مضادة للخراب. ولها أركانٌ أربعة:
الركن الأول: احتكار الدهشة
التطرف يحتكر اليقين، فعلى الثقافة أن تحتكر الدهشة. أن تعيد للإنسان حقه في ألا يفهم، في أن يتساءل، في أن يقف مبهوراً أمام قصيدة غامضة أو لوحة لا تمنح سرّها.
الدهشة هي اللحظة التي يتصدع فيها جدار الدوغما. من يندهش لا يُمكن أن يفجّر نفسه.
الركن الثاني: شرعية التأويل
المتطرف يقول: “النص له معنى واحد، وأنا حارسه”. الثقافة تقول: “النص حياة، والحياة لا تُختزل”.
شرعية التأويل هي فصل السلطات في مملكة المعنى. أن تنزع سيف التفسير من يد رجل الدين والسياسي وتعيده إلى يد القارئ.
حين يحترف القارئٍ التأويل ، تسقط الخلافة الفكرية.
الركن الثالث: بيروقراطية الخيال
الدولة تحتاج بيروقراطية محايدة، والثقافة تحتاج خيالاً محايداً.
الرواية التي تجعلك تعيش جلد الضحية والجلاد معاً، والمسرح الذي يضعك في مكان “العدو” لدقيقتين، والموسيقى التي لا وطن لها. هذا الخيال يفكك الثنائيات القاتلة: نحن/هم، مؤمن/كافر، طاهر/نجس. يعلّمك أن “الشرير” له طفولة أيضاً.
الركن الرابع: مواطنة المعنى
التطرف يمنحك انتماءً مقابل أن تبيع عقلك. الثقافة تمنحك انتماءً أوسع مقابل أن تستخدم عقلك. أن تكون مواطناً في جمهورية ابن عربي، وفي دولة دوستويفسكي، وفي إمارة درويش. انتماءٌ لا يطلب دماً، بل يطلب وعياً.
وهذه هي المواطنة التي لا تُهزم بالدبابة.

سموم التطرف الثلاثة، وترياق الثقافة
السم الأول: اختزال العالم
يقول المتطرف: العالم آيةٌ واحدة. الثقافة ترد: العالم مكتبةٌ كاملة. الترياق هو التراكم: أن تقرأ أفلاطون وابن رشد ونيتشه وغاندي في ليلة واحدة، فتدرك أن العقل البشري أوسع من أن يُسجن في جملة.
السم الثاني: تقديس الدم
يقول المتطرف: نموت ليحيا المبدأ.
الثقافة تهمس: نحيا ليتجدد المبدأ.
الترياق هو الجسد: الرقص، الرسم، النحت، الحب. كل فعلٍ يؤكد قداسة الجسد هو خيانةٌ لخطاب الموت.
والمفارقة ان المتطرف يخاف من جسدٍ يرقص، أكثر مما يخاف من جيش.
السم الثالث: إعدام الزمن
التطرف يعيش في “ماضٍ متخيل” أو “مستقبل موعود”، ويعدم الحاضر. الثقافة هي فنّ الحاضر: قصيدةٌ تُكتب الآن، ولوحةٌ تجفّ الآن، وطفلٌ يضحك الآن. من يستثمر في الحاضر، لا يحرق نفسه من أجل غدٍ لن يأتي.
-حين يصبح المثقف خندقاً
المقاومة بالثقافة ليست ترفاً.
في زمن الخراب، تصير القصيدة خبزاً، والرواية مأوى، والسؤال وطناً.
المتطرف يريدك أن تختار بينه وبين العدم. الثقافة تخلق خياراً ثالثاً: أن تكون. أن تفكر، فتوجد. أن تتخيل، فتنجو. أن تقرأ، فلا تُقتل ولا تَقتُل.
الدولة قد تسقط، والجيش قد يُهزم، لكن أمةً تقرأ “المتنبي” و”هاملت” و”جبران” في خندقٍ واحد، لا يمكن أن تُهزم. لأنها اكتشفت السر: التطرف يموت حين نستعيد قدرتنا على المجاز.
والثقافة، في نهاية الأمر، ليست إلا الدفاع المستميت عن حق الإنسان في أن يكون كائناً مجازياً، لا كائناً مُسيّراً بحرفٍ واحد .
————————————
* استاذة جامعية وكاتبة