تولسي غابارد… عندما تصطدم السياسة بجمهورية الظل..!
خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم العميد مُنذِر الايوبي*
منذ إعلان استقالة تولسي غابارد Tulsi Gabbard من منصب مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية خلال شهر ايار الحالي، لم يتعامل المراقبون مع الحدث بوصفه تفصيلًا إداريًا عابرًا، بل كنافذة أُعيد فتحها على البنية العميقة للولايات المتحدة الأميركية، وعلى طبيعة العلاقة المعقدة بين السلطة السياسية والمؤسسة الاستخباراتية في واشنطن.
الرواية الرسمية تحدثت عن أسباب عائلية وصحية تتعلق بمرض شريكها العائلي، إلا أن حجم الجدل الذي رافق الاستقالة جعل المسألة تتجاوز البعد الإنساني إلى تناقض أعمق بين رؤيتين: دولة الإدارة المنتخبة، ودولة المؤسسات الدائمة.
يعتبر منصب مدير الاستخبارات الوطنية Director of National Intelligence مسؤول حكومي رفيع المستوى، وهو الرئيس التنفيذي لمجتمع الاستخبارات الأمريكي، نشأ إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر، حين اكتشفت الولايات المتحدة أن أخطر تهديد واجهها لم يكن نتيجة نقص المعلومات، بل نتيجة فشل الأجهزة في تركيب المشهد الكامل. هكذا وُلد “العقل التنسيقي” لمنظومة الدمج الاستخباراتي The orchestration mindset تضم عشرات الآلاف وآلاف الملفات السرية الممتدة عبر العالم.
فيما تبرز المفارقة أن هذا المنصب رغم اتساع اطلاعه، يبقى محكومًا بتوازنات شديدة الحساسية. فمدير الاستخبارات الوطنية DNI -يرى الجميع، لكنه لا يحكم الجميع بالكامل-. هنا تحديدًا تبدأ المشكلة البنيوية:
من يملك المعرفة لا يملك دائمًا السيطرة، ومن يملك النفوذ التاريخي داخل الوكالات لا يتقبل بسهولة أي محاولة لإعادة تعريف دوره.
في التجارب الأمنية المعقدة، غالبًا ما تكون الاستقالة المفاجئة لمسؤول بهذا المستوى نتيجة لأكثر من عاملٍ واحدٍ مُعلن، بل محصلة تقاطعات بين السياسي والشخصي والمؤسساتي. فالأنظمة الكبرى نادرًا ما تكشف كامل أسباب اهتزازها الداخلي دفعة واحدة، خصوصًا حين يتعلق الأمر بموقع يلامس البنية الحساسة لصناعة القرار.
ومن هنا قد يكون الأهم في حالة غابارد ليس ما قيل رسميًا، بل ما عكسته الاستقالة ربما من توتر صامت داخل آليات إنتاج التقدير الاستراتيجي الأميركي نفسه.
في هذا السياق جاءت غابارد إلى هذا الموقع كشخصية غير مألوفة داخل المؤسسة الأمنية. فهي ليست ابنة تقليدية لمجتمع الاستخبارات، ولا تنتمي بالكامل إلى “المدرسة التدخلية” Interventionist Doctrine التي حكمت السياسة الخارجية الأميركية لعقود. وعلى ما نقلته بعض وسائل الإعلام فإن تجربتها السياسية قامت على نقد الحروب المفتوحة، والتشكيك بجدوى التدخلات العسكرية، والدعوة إلى مقاربة أكثر واقعية وأقل أيديولوجية في إدارة الصراعات الدولية.
من هنا، لم يكن الجدل حولها متعلقًا بشخصها فقط، بل بما تمثله فكريًا. إذ رأت فيها بعض الدوائر محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين السياسة والأمن، بينما تعاملت معها دوائر أخرى باعتبارها عنصرًا غير منسجم مع منظومة الأمن القومي الدائمة National Security Apparatus المتراكمة منذ الحرب الباردة.
ليكون الأمر الأكثر دلالة انها (الاستقالة) اتت في لحظة دولية حرجة وشديدة الاضطراب، حيث تتحول الاستخبارات في مثل هذه المراحل جزءآ اساسيآ من صناعة القرار الجيوسياسي، لا مجرد جهاز تقني لجمع المعلومات.
ثم ان الإشكالية الجوهرية في النموذج الأميركي بنيت على سؤال أوحد: هل أجهزة الاستخبارات أدوات بيد السلطة السياسية المنتخبة، أم أنها تحولت مع الزمن إلى مراكز قوة تمتلك رؤيتها الخاصة لمصالح الدولة العليا…؟
ذلك سؤال لم يُحسم جوابه بالكامل منذ اغتيال الرئيس كينيدي مرورًا بحروب الشرق الأوسط وصولًا إلى عهد الرئيس ترامب.
من جهة اخرى؛ عرف التاريخ الأميركي استقالات وإقالات عديدة لمسؤولين أمنيين وعسكريين نتيجة خلافات في الرؤى والاستراتيجيات مع الرؤساء، ما يعني أن تولسي غابارد ليست استثناءً. إلا أن خصوصيتها تكمن في طبيعة الموقع الذي شغلته، فهي لم تكن مديرة لوكالة منفردة ذات وظيفة محددة، بل كانت على رأس المنظومة التنسيقية للاستخبارات الأميركية بأكملها. ومن هنا اكتسبت استقالتها بُعدًا مختلفًا، كونها مَسَّت موقعًا يقوم أساسًا على إدارة التوازن الحساس بين القرار السياسي ومجتمع الأمن العميق…
وربما لا يختلف لبنان في بنيته المركبة كثيرًا عن دول عديدة، حين تتقدم اعتبارات الولاء السياسي والطائفي على معيار الكفاءة، سيما في بعض المواقع الامنية الحساسة. إذ تتخلى الأجهزة عن حياديتها لتتحول من أدوات حماية الدولة والشعب إلى انعكاس لتوازنات السلطة كما الصراع عليها.
وفي التجارب الأمنية، غالبًا ما تبدأ هشاشة الدولة عندما يصبح القرار الأمني أسير الحسابات السياسية الآنية بدل أن يستند إلى رؤية وطنية مستقلة ومهنية. ليفقد الأمن بذلك دوره كعنصر استقرار استراتيجي، وليتحوّل تدريجيًا جزءآ من أزمة النظام نفسه، لا وسيلة حمايته.
كما تبرز إشكالية أكثر تعقيدًا تتجاوز الولايات المتحدة نفسها، تتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والسلطة. فعندما يتقدّم الولاء للشخص أو للفريق السياسي على الولاء للدستور والمؤسسات، تبدأ الأجهزة الحساسة بفقدان حيادها البنيوي، مهما بدت الدولة قوية ظاهريًا.
هذه الظاهرة لا ترتبط فقط بالأنظمة المغلقة، بل قد تظهر بدرجات مختلفة حتى داخل الديمقراطيات الكبرى، حين تتحول المؤسسات الأمنية إلى جزء من الاستقطاب السياسي بدل أن تبقى فوقه. عندها يصبح الخطر الحقيقي ليس ضعف الدولة، بل تآكل مفهوم وجودها وكينونتها لمصلحة الولاءات العابرة للمؤسسات.
عليه، ربما تكمن المفارقة الأعمق أن الدولة الحديثة، في سعيها لإدارة مؤسساتها وحماية نفسها من الفوضى، تراكم في آن طبقاتٍ غير مرئية من القوة والنفوذ، يصعب إخضاعها لاحقآ وبالكامل لمنطق السياسة العابرة. عندها يصبح الأمن أكثر من وظيفة، ويغدو نوعًا من الوعي الموازي “Parallel Consciousness” الذي يراقب الدولة حتى وهي تراقب العالم.
لقد اثبتت الصيرورة التاريخية ان الإمبراطوريات لا تخشى فقط أعداءها الخارجيين، بل أيضًا الفراغ الذي قد ينشأ إن فقدت قدرتها على تفسير الواقع قبل الآخرين. لذا تبدو معركة النفوذ داخل مراكز الثقل الدولتي في جوهرها صراعًا فلسفيًا بين السلطة الظاهرة وسلطة الظل العاملة بصمت..
في المحصلة؛ تولسي غابارد مسؤولة رفيعة، في استقالتها مؤشر سياسي يكشف ما يدور خلف جدران القوة الصامتة… تعبير عن صراع مستمر داخل الإمبراطورية الأميركية بين السلطة المنتخبة ومنطق البيروقراطية الأمنية المتراكمة، بين السياسة بوصفها تفويضًا شعبيًا، والأمن بوصفه سلطة تراكمية عابرة..
———————-
*عميد متقاعد؛ رئيس فرع المعلومات الأسبق في قوى الامن الداخلي 2000/2004