الجنوب على ساعة الترقّب الإقليمي..

خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم العميد منذر الأيوبي*

لم يكن تأخير اجتماع لجنة «الميكانيزم» المعنية بالجنوب تفصيلاً إجرائيًا او مسألة تنظيمية عابرة، بل إشارة سياسية–أمنية مركّبة، تتقاطع فيها الاعتبارات اللبنانية مع حسابات إقليمية أوسع. ومن الواضح ان ربط انعقادها بعودة قائد الجيش من واشنطن يعكس إدراكًا لدور المؤسسة العسكرية بوصفها نقطة الارتكاز الأكثر تماسًا مع أي تطور ميداني محتمل. اذ ان القائد لم يعد مجرد مشارك في نقاش تقني، بل حامل قراءة استراتيجية لما هو مسموح وما هو مؤجَّل، في لحظة إقليمية شديدة السخونة..

غير أن هذا العامل، على أهميته، لا يكتمل دون وضعه في سياق أوسع يتصل بتصاعد التهديد الأميركي واقتراب الضربة العسكرية على ايران، استنادآ للحشد العسكري البحري والجوي الغير مسبوق وانضمام الفرقة 101 المحمولة جوآ إلى مسرح العمليات هدف ضمان امن مضيق هرمز.. ومن الثابت المبدأي في لحظات ما قبل الاحتمالات الكبرى، ان اللجان التقنية تصبح أول ما يُعلَّق مسارها، ليس لعدم أهميتها ، بل لكونها شديدة الحساسية عند اي تبدّل مفاجئ في قواعد الاشتباك.

ثم ان التهديد الأميركي في التجربة العملية، لا يعني بالضرورة قرارًا بالحرب، بل غالبًا ما يُستخدم كأداة لإعادة التموضع ورفع سقف التفاوض. غير أن هذا التلويح وحده يكفي لخلق حالة انتظار استراتيجي، حيث لا يرغب أي طرف في تثبيت ترتيبات ميدانية قد تصبح خاطئة أو مكلفة خلال فترة قصيرة.

في هذا الإطار، تتحرك لجنة الميكانيزم ضمن مفهوم «اللا إستقرار القابل للإدارة»، ما دامت السقوف الإقليمية لم تُكسر بعد. أما في حال كسرها، فإن الجنوب يتحول تلقائيًا مسرحآ محتملآ للرسائل الساخنة، ما يجعل أي اجتماع للجنة قبل اتضاح الاتجاه الأميركي فاقدًا لقيمته التنفيذية.

سياقآ؛ هذا الهامش الزمني الواسع سيخلق فراغًا عمليًا في آليات الضبط والمتابعة (الهشّة اساسآ)، مانحآ إسرائيل مساحة أوسع لمواصلة عدوانها على لبنان، سيما في ظل غياب إطار تنسيقي فاعل قادر على كبح التصعيد أو مساءلته، أو حتى احتواء تداعياته السياسية والأمنية.

توازيآ، تبقى الاستجابة الأميركية واضحة لعدم تثبيت آليات ميدانية تُقيّد حركة العدو الاسرائيلي، سواء في حال التصعيد أو عندما يُفرض استخدام الجنوب كورقة ضغط غير مباشرة على طهران. بعبارة أدق، يُعلَّق المسار عندما تكون «الساعة الإقليمية» غير مضبوطة.

في المحصلة ، استشراف المرحلة المقبلة، مرهون بقرار الرئيس ترامب وخيارات البنتاغون الأميركي، بالتالي فإن سيناريو التصعيد المحسوب الجرعات يجعل لجنة الميكانيزم في وضعية “مكانك راوح” ، أو إعتمادها قناة اتصال طارئة وإضافية مانعة الانفلات الشامل، سيما في المرحلة الثانية من قرار حصرية السلاح شمال الليطاني- الأولي..

 

————————-

* عميد متقاعد، مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية