خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم: الدكتورة ميرنا داود
الفلسفة تتعامل مع الغفران كمعضلة وجودية وأخلاقية: كيف يتعامل الإنسان الحر مع شرٍ لا يمكن محوه من الماضي؟
١. الغفران كاستحالة منطقية: جاك دريدا
دريدا يرى أن الغفران الحقيقي لا يحدث إلا عندما يكون مستحيلًا.
– المعادله:
إن سامحت ما يمكن تبريره أو نسيانه، فهذا ليس غفرانًا بل تفاهم أو تبرئة.
– الغفران الأصيل
هو الذي يُمنح لـ “ما لا يُغتفر”. لأنه لو كان الفعل مبررًا، فلا حاجة للغفران أصلًا. الغفران يبدأ حيث ينتهي العقل.
– إذن الغفران فعل “جنوني” يتجاوز اقتصاد المقايضة: لا أغفر لأن الآخر اعتذر أو ندم، بل أغفر رغم أنه لا يستحق.
٢. الغفران كفعل حرية: حنة أرندت
في كتابها “الوضع البشري”، أرندت تعتبر الغفران هو الخلاص الوحيد من سجن الماضي.
– المشكلة:
الفعل الإنساني لا رجعة فيه. ما نفعله يبقى إلى الأبد، ونتائجه لا يمكن السيطرة عليها. هذا يجعلنا أسرى لأخطائنا وأخطاء غيرنا.
– الحل:
الغفران هو القوة الوحيدة التي “تقطع سلسلة الفعل ورد الفعل”. عندما أغفر، أحرر نفسي والآخر من تبعات فعل ماضٍ كان سيحدد المستقبل كله.
– المقابل:
الوعد. كما أن الغفران يحررنا من الماضي، فالوعد يحررنا من خوف المستقبل المجهول.
٣. الغفران مقابل العدالة: نيتشه وفوكو
هنا يظهر الشك الفلسفي في الغفران.
– نيتشه
يرى في أخلاق “المسامحة” أحيانًا شكلًا من “أخلاق العبيد”. الضعيف الذي لا يقدر على الانتقام يحوّل عجزه إلى فضيلة ويسميها “غفران”. يسمي هذا _الحقد_ resentment: سمٌّ يشربه الإنسان منتظرًا موت عدوه.
– فوكو
يحلل الغفران كأداة سلطة. من يملك حق المنح والمنع للغفران؟ الاعتراف والغفران في المؤسسات الدينية والقضائية كانا آلية لضبط الأفراد وإخضاعهم.
٤. شروط الغفران عند الفلاسفة
على عكس دريدا، فلاسفة آخرون وضعوا شروطًا:
– بول ريكور:
يميز بين الغفران الصعب والغفران السهل. الغفران الحقيقي يمر بمراحل: إقرار بالذنب من المذنب، عمل ذاكرة لا نسيان، ثم هبة مجانية من المتضرر. الغفران لا يعني محو الذاكرة، بل منع الماضي من حكم الحاضر.
– فلاديمير جانكلفتش:
يقول “الغفران مات في معسكرات الموت”. عندما يصبح الشر جذريًا ولا يعترف به فاعله، يصبح الغفران خيانة للضحايا. فالغفران يحتاج توبة كي لا يكون إهانة للعدالة.

٥. هل نسامح من أجلنا أم من أجلهم؟
هذا السؤال الأخلاقي المركزي:
– المنظور الرواقي:
أنت تسامح لتحرر نفسك. الحقد كجمرة تمسكها لتحرق بها غيرك، لكنها تحرق يدك أولًا. الغضب انفعال يضر صاحبه.
– المنظور الأخلاقي الكانطي:
الغفران واجب إذا كان المذنب قد تغير وأصبح “إنسانًا جديدًا”. فأنت لا تغفر للفعل القديم، بل تعامل الشخص الجديد بما يستحقه الآن.
الخلاصة الفلسفية:
الغفران ليس شعورًا طيبًا، بل قرار وجودي. هو التوقف الإرادي عن جعل جرح الأمس سببًا لجرح اليوم. لا يلغي العدالة ولا يمحو الماضي، لكنه يعلن أن الماضي لن يكون سجّان المستقبل.
ان تسامح يعني ان تمرر الوقت لإرساء ثقافة التعايش ولتستمر الحياة …
اما ان تغفر ، يعني ان تغلب لغة المنطق والنبل على الغرائز وان تطوي صفحة الأحقاد ، والفارق كبير بين الاثنين …
عليك ان تسامح قبل ان تصل الى الغفران ، يعني ان تغفر لتعيش بسلام داخلي مع نفسك اولا ..!!
باختصار شديد ان تسامح فأنت انسان، ان تغفر فأنت نبيل أسطوري .!!
———————————
* استاذة جامعية وكاتبة