هل خلف الكواليس دعوة لتفاوض مباشر مع حزب الله…؟
خاص – “أخبار الدنيا”:

بقلم العميد منذر الايوبي*
في الظاهر المُعتَلَم، تبدو الحركة السياسية في لبنان محكومة بإيقاع متسارع من الزيارات والرسائل المتبادلة: من زيارة علي حسن خليل إلى السعودية، إلى زيارة الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان إلى الرئيس نبيه بري يوم أمس، وصولًا إلى مواقف تصعيدية أو تحذيرية أطلقها اللواء جميل السيد من على منصة مجلس النواب.
غير أن جمع هذه المؤشرات والقول إننا أمام مفاوضات مباشرة قريبة مع حزب الله، ينطوي على قدر من التسرّع أكثر منه استنتاجًا مبنيًا على معطيات مكتملة.
في الواقع، يمكن اعتبار ما يجري أقرب إلى مرحلة تمهيد سياسي، حيث تختبر الأطراف نيات بعضها البعض، وتعيد رسم حدود الممكن قبل الدخول في أي التزام تفاوضي. فالتفاوض المباشر مع الحزب، في السياق الإقليمي الحالي، ليس قرارًا تقنيًا بل خيارًا استراتيجيًا يرتبط بحسابات تتجاوز الساحة اللبنانية.
في هذا السياق، تكتسب حركة نبيه بري أهمية خاصة، بوصفه قناة تواصل تقليدية ومقبولة داخليًا وخارجيًا.
إلا أن هذا الدور الهام حتى اللحظة، لا يتجاوز نقل الرسائل وتنظيم الإيقاع السياسي، وليس إدارة مفاوضات فعلية.
السؤال: هل يعتبر تصريح النائب جميل السيد كسر للمحرّم أم مؤشر لمسار…؟
هنا تبرز أهمية موقف صاحبه، لا من حيث كونه دليلًا على مفاوضات قائمة، بل كونه محاولة لفتح باب النقاش حولها. فدعوة الحزب إلى “التحدث عن نفسه ووضع شروطه”، ووقف “التجارة على رأسه”، تقترن بوصف لافت للفكرة بأنها “جنونية لكنها عاقلة”. هذا التوصيف بحد ذاته يكشف طبيعة الطرح: هو ليس إعلان مسار، بل كسر لسقف سياسي قائم.

فلو كان هناك تفاوض فعلي جارٍ ولو من تحت الطاولة، لما احتاج إلى تقديمه كفكرة صادمة أو “غير مألوفة”. التفاوض، عندما يبدأ فعليًا، يتحول خطابآ منضبطآ ومتدرّج، لا إلى طرح إشكالي يحتاج تبريرآ مسبقآ.
من جهة أخرى، رَبط السيد بين التفاوض وضعف الدولة—التي وصفها بـ“الدكانة”—يشير إلى منطق مختلف: ليس وجود مسار تفاوضي، بل الدعوة إلى انتزاع المبادرة او مواكبتها في ظل غياب الدولة الفاعلة. أي أن الطرح موجّه بالدرجة الأولى إلى الداخل، لا بوصفه انعكاسًا لاتصالات خارجية قائمة.
ثم ان في توقيت التصريح دلالات اللحظة السياسية…! اذ يكتسب دلالته اللافتة من تزامنه مع حراك سياسي متجدّد وانفتاح حذر إقليميًا، ما يجعله أقرب إلى قراءة للمرحلة لا مجرد موقف عابر. فالتصريح يأتي في لحظة تتكثّف فيها قنوات التواصل، سواء عبر نبيه بري، أو عبر إشارات انفتاح باتجاه السعودية، وهي عناصر توحي بأن البيئة السياسية تدخل طور “اختبار الخيارات”.
لكن في المقابل، إن غياب أي تبنٍ مماثل من شخصيات محورية داخل حزب الله، أو من قنوات أكثر رسمية، يشير إلى أن ما طُرح لا يزال في إطار جسّ النبض، لا الترجمة العملية.
في موازاة ذلك، يكتسب طرح السيد، بعدًا إضافيًا عند ربطه بمسار التفاوض القائم بين الدولة اللبنانية وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة. فدعوة حزب الله إلى “التحدث عن نفسه ووضع شروطه” لا تُفهم فقط ككسر للمحرّم السياسي، بل كإشارة إلى خللٍ مُدرك في بنية التمثيل التفاوضي.
إذ ينطلق هذا الطرح من فرضية أن الدولة، بصيغتها الحالية، قد لا تعكس كامل عناصر القوة اللبنانية على طاولة التفاوض، في حين يمتلك الحزب تأثيرًا ميدانيًا لا يمكن تجاهله.
من هنا، لا يبدو الموقف التفافًا فاضحآ على المسار الرسمي بقدر ما هو محاولة لإعادة توازنه عبر إدخال “قوة الواقع” ضمن “قالب الدولة”، ولو بشكل غير معلن.
غير أن هذه المقاربة، رغم ما قد تمنحه من أوراق قوة إضافية، تطرح في آن إشكالية مزدوجة: فهي قد تعزّز الموقع التفاوضي للبنان إذا جرى التنسيق فعليًا بين الدولة والحزب، لكنها قد تُضعف في الوقت نفسه صورة الدولة كمرجعية وحيدة إذا بدا أنها لا تحتكر قرار التفاوض. وبذلك، يتحول طرح السيد من موقف سياسي عابر إلى نقاش أعمق حول طبيعة التمثيل، لا حول مبدأ التفاوض نفسه.
في الخلاصة؛ لا توجد معطيات كافية للقول إن هناك دعوة قائمة لتفاوض مباشر مع حزب الله خلف الكواليس.
ما يظهر هو اتصالات نشطة، لكن غير مُهيكلة تفاوضيًا، تتوازى مع قنوات مفتوحة، لكن بلا تفويض واضح، وتتزامن مع محاولات داخلية لكسر المحرّم السياسي حول فكرة التفاوض…
بعبارة أدق، قد نذهب إلى مرحلة اختبار الفكرة نفسها، لا مرحلة تنفيذها. أي أن السؤال لم يعد فقط: “هل هناك تفاوض…؟” بل أصبح أيضًا: “هل أصبح التفاوض خيارًا قابلاً للنقاش…؟” وهذا بحد ذاته تحوّل مهم، حتى لو لم يُتَرجم بعد إلى مسار فعلي…!
————————————-
*عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية