نَول القَدَر ومساحة الإنسان.. بين ما فرض علينا وما اخترناه..
خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم العميد منذر الايوبي *
لا أحد يبدأ من الصفر. نولد داخل زمنٍ لم نَستشِرهُ، في مكانٍ لم نُحدده، وسطَ ظروف لم نُصمّمها. هذه هي البداية الواقعية لأي إنسان. هناك أشياء تُفرض علينا قبل المُناغَاة: العائلة، اللغة، الوضع الاقتصادي، وربما حتى شكل الأزمات التي سنواجهها. لكن هذه ليست النهاية.
منذ اللحظة التي نصبح فيها قادرين على الاختيار، ولو في حدود ضيقة، يبدأ الجزء الذي يخصّنا. قد لا نختار العاصفة، لكننا نختار كيف نُبحِر فيها. قد لا نتحكم بسعر العملة أو مسار السياسة، لكننا نتحكم بقرار الصمود أو الهروب، بالتعلّم أو التوقف، بالفعل أو الشكوى.
منذ القدم حاول الإنسان تحديد موقعه بين الضرورة والحرية. في الأساطير اليونانية صُوِّرت الـ Moirai ك “ربّات القدر” يُمْسكن خيط العمر ويُقررن متى يُقطع، وكأن الحياة حكاية مكتوبة بالكامل. وفي تراثنا يتجاور الإيمان بالقضاء والقدر مع تحميل الإنسان مسؤولية عمله. وفي الفلسفة، رأى الهولندي (باروخ سبينوزا) أن العالم يسير وفق قوانين صارمة، وأن الحرية الحقيقية هي في فهم هذه القوانين. بينما أصرّ (جان بول سارتر) على أن الإنسان لا يستطيع الهروب من اختياره، حتى وإن اتت خياراته مؤلمة.
لكن بعيدًا عن الجدل النظري، الحقيقة اليومية أبسط وأقسى؛ نحن نعيش داخل شروط، نعم. لكننا لا نُختزل إليها.. عندما ينهار اقتصاد بلد ما، لم يختر أفراده التضخم ولا البطالة؛ هذا واقع مفروض. لكن داخل هذا الواقع، تظهر الفروق. هناك من يجمّد حياته بانتظار معجزة، وهناك من يبحث عن مهارة جديدة، من يلعن الظروف صُبحَاً ومساءً، ومن يقرر أن يتحرك رغم ضيق المساحة. فالخيارات لا تُلغي الأزمات لكنها تكشف الأشخاص.
ثم ان الخطر ليس في الإيمان بالقدر، بل في استخدامه عُذرَآ. أن نقول “هكذا كُتب” أحيانًا ليس تعبيرًا عن إيمان، بل هروب من مسؤولية. وفي المقابل، أن نزعم سيطرتنا على كل شيء وهمٌ يصطدم بالواقع سريعًا. فالحياة ليست سيطرة كاملة، ولا استسلامًا كليآ، هي مساحة بينهما قد تضيق، لكنها لا تختفي تمامًا.
في النهاية، الحياة ليست صمّاء بالكامل، وليست سيمفونية مكتملة سلفًا. إنها مساحة بين إيقاع عام لا نحدده ولحنٍ نصوغه نحن.. حين ننظر إلى أعوامنا الماضية، لن يفيدنا السؤال: هل كان كل شيء مفروضًا..؟ ليكون السؤال الحقيقي: ماذا فعلتُ بما كان متاحًا لي..؟
هناك دائمًا هامش، ولو كان صغيرًا فيه تُقاس الشجاعة، ويظهر الفرق بين من عاش متفرجآ على ظروفه، ومن حاول — رغم كل شيء — أن يكون فاعلًا فيها. ما فُرض علينا ليس خيارآ، أما ما اخترناه داخله، فهو قصتنا الحقيقية..!
*عميد متقاعد، كاتب