نقد اليقين.. الدين بوصفه قلقًا أخلاقيًا..!

 

خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم العميد منذر الأيوبي*

في اللاهوت، لا تُقاس الحقيقة بمجرد سلامة العقيدة أو انسجامها الداخلي، بل بقدرتها على أن تُختبَر في حياة الإنسان. في التجربة اللبنانية، غالبًا ما أستُخدم الدين كأداة استقرار نفسي واجتماعي، لا بوصفه قوة مساءلة قانونية أو اخلاقية . هكذا تحوّل الإيمان، في كثير من تمظهراته العامة جزءآ من نظام طمأنينة زائفة يبرّر ما هو قائم بدل خلخلته. لذا لم يعد السؤال المطروح عن صدق أو عدالة، بل عن هوية وانتماء، بمعنى إلى أي جماعة ننتمي، لا أية قيم نلتزم..؟

في هذا السياق، لا يمكن فصل الدين عن السياسة. فلبنان ليس مجرد بلد متعدّد الطوائف، بل نظام سياسي بُني أصلًا على تحويل الانتماء الديني إلى أداة حكم. الطائفة هنا ليست فضاءً روحيًا، بل إطارًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، يُستخدم لتعبئة الأفراد، وضبط سلوكهم، وتبرير إخفاقات الدولة في أكثر الأحيان. وبدل أن يكون الدين عنصرًا نقديًا في مواجهة هذا النظام، أصبح في كثير من الأحيان أحد أعمدته الرمزية.

أخطر ما في هذا الاستخدام هو إنتاج يقين ديني خارج عن المنطق او المألوف، لا يطرح أسئلة عن فقر او فساد، ولا عن انهيار عدالة او تغييب محاسبة، بل إكتفاءٌ بممجوج خطاب عن مظلومية مُستهجنة تارةً أو خطر وجودي يُثير نفورآ تارةً اخرى. كل جماعة ترى ذاتها مهدَّدة، وكل زعامة تُقدَّم نفسها الحاميَّة، فيما تُدار الأزمات بلا مساءلة فعلية. هكذا تحوّل الدين من تجربة تُقلق الضمير إلى خطاب يهدّئه، ومن قوة تحرر إلى أداة ضبط.

ثم ان نقد اليقين لا يعني إنكار الدين او هدم الإيمان. بل مساءلة فكرة «اليقين المغلق» Dogmatic Certainty ذلك الشعور أن الحقيقة مكتملة، لا تحتاج الى تفكير أو مراجعة؛ ما يجعله مانعًا لإعمال العقل لا محفّزًا له. كما ان النظرة إلى الدين بوصفه «قلقًا أخلاقيًا» Moral Inquietude يقلب الصورة التقليدية، هو ليس ضعفآ بل فضيلة، اي انه يضع الإنسان في حالة سؤال مستمر: هل أنا عادل..؟ هل ما أفعله ينسجم مع قيم الخير والعدالة..؟ هل استخدمت الدين لتبرير نفسي أم لمحاسبتها..؟ الخ…!

في المقاربة الإسلامية، لا يُفهم هذا القلق بوصفه شكًّا في الإيمان، بل مقامًا أخلاقيًا ضروريًا. فالتحذير ليس من الطمأنينة الناتجة عن التوكّل، بل من راحة الامتثال الشكلي التي تفصل بين العبادة والعدل، وبين الطاعة والمسؤولية. ثم ان أخطر أشكال التدين هو ذاك الذي يُنتج فقهًا دون سند، ويحوّل النص غطاءً يبرّر الصمت عن الظلم. القلق هنا دليل حياة، لأن الإيمان الذي لا يُراجع نفسه والضمير يتحوّل سريعًا إلى أيديولوجيا.

في جوهر المسيحية ان “التجسّد” ليس فكرة نظرية تُحفَظ، بل موقفًا أخلاقيًا يُعاش. فهو لا يُقدَّم كحدث ميتافيزيقي منفصل عن التاريخ والواقع، بل كمعيار نقدي دائم يُقاس به صدق الخطاب الديني. وعندما نقول ان الإله «اختار الهامش»، فالمعنى انه لم يأتِ من موقع القوة، بل دخل العالم من طرفه المكسور: الفقر، الهشاشة، الألم. بالتالي فإن أي خطاب ديني يتجنب مساءلة الظلم والبنى التي تُهين الإنسان، يكون قد فقد جوهره، حتى لو بدا متماسكًا لاهوتيًا. والإيمان الذي لا يُقلق النظام حين يظلم، ولا ينحاز للإنسان حين يُقصى، يتحول لغة دينية بلا روح. والتجسّد، في هذا الفهم، ليس إجابة مريحة… بل سؤال دائم موجّه إلى الضمير..!

ضمن هذه المشهدية، لا يمكن إعفاء رجال الدين من المسؤولية العامة..! إذ ان الفصل بين “الروحي” و“السياسي” يصبح وهمًا إن إستُخدم الخطاب الديني لتعبئة الجماعات وتثبيت الزعامات. فالصمت هنا ليس حيادًا، وحين يُستَخدم المقدّس لتبرير الفساد أو تطبيع الظلم أو إدارة الخوف الطائفي، يصبح السكوت مشاركة غير مباشرة.

وفي بلد يضم ثماني عشرة طائفة، يمكن القول بعيدآ عن وعظ: ان المسؤولية الأخلاقية للمرجعيات الدينية تكمن في نزع الغطاء الروحي عن الممارسات لا مباركتها او منحها شرعية رمزية. كما في ضرورة إعادة وصل النصوص بسياقها القيمي ومنع توظيفها الانتقائي. كما التذكير أن الدين لا يُقاس بقدرته على حماية الجماعة وكفى، بل بقدرته على مساءلتها حين تنحرف.

ثم ان الفكر الذي لا يغيّر طريقة العيش ومواكبة صيرورة التحضُر يبقى عقيمآ بلا أثر. لذلك تُعاد اليوم مساءلة كل خطاب ديني لا يمرّ في اختبار الواقع، ولا يجرؤ على النزول إلى منطقة «الالتباس الإنساني» Human Ambiguity حيث تُتَّخذ القرارات الصعبة، وحيث يُمتحن الصدق لا بلاغة الحوار..

في إمتداد رؤية؛ فإن «نقد اليقين» لا يعني إنكار الدين ولا هدم الإيمان. المقصود مساءلة فكرة اليقين المغلق: ذلك الشعور بأن الحقيقة مكتملة، لا تحتاج عمق تفكير أو مراجعة. ليتحول غالبًا من طمأنينة روحية إلى أداة سلطة: تُريح الضمير، تَعفي الإنسان من السؤال، وتمنحه شعورًا بالتفوّق الأخلاقي.

ضمن هذا الأفق، يصبح الإيمان خبرة غير مكتملة ومسؤولية مفتوحة، لا عقد ضمان هو ولا هوية جاهزة يكون. والسلام الذي يعد به ليس هدنة التوازن الهش، بل سلام مَن عَبَرَ القلق ولم يهرب منه، ومن رَفَضَ استخدام الدين لتجميل صورته أو تبرير صمته.

هكذا، لا يعود الدين ملاذًا من قسوة الواقع، بل شجاعة إضافية لمواجهته ونقده.. كما لا يعود الإيمان أداة طمأنينة، بل قوة إرباك أخلاقي. قلقٌ كهذا ليس خطر على الدين، بل آخر فرصة له كي لا يتحوّل جزء من نظام إدارة الازمات.

——————-

*عميد متقاعد، كاتب