نتنياهو وفلسفة القوّة… عجزٌ عن فهم معنى المسيح

خاص – “اخبار الدنيا”

 

بقلم : دكتور ميشلين بيطار*

حين يقول نتانياهو إنّه “لا يكفي أن تكون على حق، بل يجب أن تكون قويًا”، هو لا يكتفي بتبرير القوة ، بل يُعيد تعريف العالم على صورتها :
القوّة هي الفيصل، والحقّ بلا قوة لا قيمة له.

هذه الكلمات ليست مجرد رأي سياسي، بل صدى لفكرٍ قديم يمتد من جابوتنسكي إلى مكيافيلي، حيث البقاء يسبق الأخلاق، والخوف يصنع النظام.

خطورته الكبيرة تكمن في انه يحوّل القوّة
من وسيلة إلى معيار، ومن أداة إلى حقّ بحدّ ذاته، ليصبح العالم غابة يأكل فيها القوي الضعيف.

المشكلة الحقيقية لديه ليست فقط في إدراكه المريض للواقع، بل في تحوّل هذا الإدراك إلى تبرير لإرهاب القوّة وفرضها على الآخرين،
لتشريع الشر و تهميش مبادىء العدالة.

حين يُستشهد بـ دروس التاريخ لـ ويل ديورانت،ويُقال: إن المسيح ليس “أفضل” من جنكيز خان، فالمقارنة هنا ليست تاريخية بل اختزال فادح لمعنى التاريخ. هذه ليست قراءةً ،
بل انحيازٌ فجّ لأكثر صفحات البشرية ظلمة.

لو كان التاريخ فعلًا يُحسم بالقوّة وحدها، لكان المسيح اليوم مجرّد ذكرى عابرة، ولما بقي اسمه حيًّا بعد ألفي عام، بينما تحوّل جنكيز خان إلى صفحةٍ في كتب الفتوحات.

التاريخ دليل ان من يرفع الإنسان فينا يحيا في الضمير إلى الأبد . ومن يوقظ الحيوان داخلنا يزول كما زالت كل إمبراطوريات القسوة.

نعم، القوّة تصنع انتصارًا، لكنّها لا تصنع معنى
التاريخ نفسه ، الذي يُستدعى لتبرير القوّة، يقول شيئًا آخر:

سقوط الإمبراطورية الرومانية؛ الثورة الفرنسية؛ سقوط جدار برلين.. في كلّ مرة، لم يسقط الأضعف بل سقط من ظنّ أنّ القوّة تكفي.

في الفلسفة، يردّ كانط بوضوح:
لو كان النجاح معيار الحق، لما بقي للحقّ أي معنى. القوّة تُخضع، لكنّها لا تُقنع. وكلّ ما لا يُقنع يبقى مؤقّتًا.

وفي الأديان، الفكرة أعمق من أي انتصار مؤقت: الحقّ قد يُهزم في لحظة، لكنّه لا يُلغى ولا يتحوّل إلى باطل.

في القرآن: (وتلك الأيام نداولها بين الناس)
(وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا)

وفي الإنجيل: {ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟}
{طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض}

هنا تتجلّى الحقيقة: القوّة قد تنتصر، لكنها لا تصنع الحقّ، ولا تزيله، ولا توقف أثره في الزمن والضمير.
من غزة إلى لبنان إلى إيران، قد تفرض القوّة واقعًا، لكنّها تعجز عن إنهائه. لأن ما يُؤخذ بالقوّة، يبقى معلّقًا على القوّة إلى الأبد..

نعم، القوّة قد تنتصر، لكنّها لا تُنهي الصراع.
ونعم، قد تفرض الصمت، لكنّها لا تصنع سلامًا.
والتاريخ لا ينسى، الأقوياء يمرّون والحقّ ، كما وعد الرب، يبقى..

———————————-
*طبيبة وكاتبة لبنانية