من سلسلة مكتبات عبر التاريخ (2) بيت الحكمة في بغداد – منارة العصر الذهبي التي أطفأها المغول
خاص – “الدنيا نيوز”
بقلم : دانيا يوسف*
نتوقف اليوم عند واحدة من أعظم المكتبات في تاريخ الحضارة الإنسانية، وأكثرها إلهاما وحزنا في آن واحد: بيت الحكمة في بغداد. إنها قصة مركز فكري ازدهر في قلب العصر الذهبي الإسلامي، وجمع كنوز المعرفة من الشرق والغرب، قبل أن يواجه مصيرا مأساويا على يد الغزاة. بيت الحكمة ليس مجرد مكتبة؛ بل كان رمزا لنهضة علمية وفكرية غيرت وجه العالم. فكيف نشأ هذا الصرح العظيم؟ وما هي الإنجازات التي تحققت بين جدرانه؟ وكيف تحول نهر دجلة إلى اللون الأسود من حبر الكتب التي ألقيت فيه؟ دعونا نغوص في أعماق هذه القصة المثيرة، قصة بيت الحكمة، منارة بغداد التي أضاءت العالم ثم أطفأتها نيران الغزو.
التأسيس والازدهار:
يُعتقد أن بيت الحكمة، المعروف أيضا باسم المكتبة الكبرى في بغداد، قد تأسس في أواخر القرن الثامن الميلادي، ربما في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، كجزء من قصره، أو كمجموعة خاصة للخليفة المنصور لإيواء الكتب والمجموعات النادرة باللغة العربية. ولكن في عهد الخليفة المأمون في الأعوام 813- 833 م، تحوّل هذا الصرح إلى أكاديمية عامة ومكتبة، ليصبح مركزا فكريا لا مثيل له. كان بيت الحكمة قلب حركة الترجمة العظيمة التي شهدها العصر الذهبي الإسلامي. توافد إليه العلماء والمترجمون من جميع أنحاء العالم، لترجمة الأعمال اليونانية والسريانية والفارسية والهندية إلى اللغة العربية. لم يقتصر دوره على الترجمة فحسب، بل كان مركزا للبحث الأصيل في شتى المجالات: الرياضيات، الفلك، الفلسفة، الطب، الكيمياء، وغيرها. بين جدرانه، التقى الكتاب والمترجمون والعلماء والخطاطون يوميا للترجمة والكتابة والمحادثة والقراءة والحوار، في بيئة فكرية خصبة أدت إلى إنجازات علمية غير مسبوقة. ضمت المكتبة مجموعة هائلة من الكتب والمخطوطات، يُقدر أنها بلغت مئات الآلاف، وربما الملايين. كانت هذه الكنوز المعرفية تشمل كل ما توصلت إليه الحضارات السابقة من علوم وفنون، بالإضافة إلى الإبداعات الجديدة التي أنتجها علماء المسلمين. كان بيت الحكمة بحق مستودعا للمعرفة، ومركزا للإشعاع الفكري الذي أضاء العالم في فترة كانت فيها أوروبا غارقة في ظلام العصور الوسطى.
التدمير:
عام 1258 م، تعرضت بغداد، عاصمة الخلافة العباسية ومركز العالم الإسلامي، لواحدة من أفظع الكوارث في تاريخها. حاصرت قوات المغول، بقيادة هولاكو خان، المدينة، وبعد حصار قصير، سقطت بغداد في أيديهم. ما تلا ذلك كان مذبحة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً. تمّ نهب القصور والمنازل، ودُمرت المساجد والمدارس، وقُتل مئات الآلاف من السكان، بمن فيهم العلماء والمفكرون. كان بيت الحكمة من بين الأهداف الرئيسية للتدمير. يُروى أن المغول ألقوا بجميع الكتب والمخطوطات التي كانت في المكتبة في نهر دجلة. كانت الكمية هائلة لدرجة أن نهر دجلة تحول إلى اللون الأسود من حبر الكتب، ويُقال إن الجسر الذي عبره المغول كان مبنيا على أكوام من الكتب. لقد كانت خسارة لا تقدر بثمن للتراث الإنساني، فقد ضاعت قرون من المعرفة والبحث العلمي في لحظات قليلة. لم يكن تدمير بيت الحكمة مجرد حرق لمبنى؛ بل كان حرقا لذاكرة أمة، ومحاولة لمحو قرون من التقدم الفكري. لقد كانت ضربة قاصمة للحضارة الإسلامية، وللعالم بأسره، حيث فقدت البشرية جزءا كبيرا من إرثها المعرفي الذي كان يمكن أن يساهم في تقدمها لقرون قادمة.
الإرث والجدل:
على الرغم من الدمار الشامل الذي لحق ببيت الحكمة، إلا أن إرثه لا يزال حيا. لقد كانت الإنجازات العلمية والفكرية التي تحققت بين جدرانه أساسا للنهضة الأوروبية في العصور الوسطى، وساهمت في تشكيل الفكر العلمي الحديث. العديد من المفاهيم والاكتشافات التي ننسبها اليوم إلى الغرب، تعود جذورها إلى العلماء الذين عملوا في بيت الحكمة وغيرها من المراكز الفكرية في العالم الإسلامي. ومع ذلك، هناك جدل تاريخي حول بيت الحكمة. يرى بعض المؤرخين المعاصرين أن السرد الشائع لبيت الحكمة كمركز فكري رئيسي وجامعة لعبت دورا كبيرا في حركة الترجمة هو أسطورة، تم بناؤها في القرنين التاسع عشر وأوائل القرن العشرين من قبل المستشرقين. ويشيرون إلى أن الأدلة التاريخية المباشرة حول حجمه وطبيعته الدقيقة محدودة. بغض النظر عن حجمه الدقيق أو طبيعته المؤسسية، لا يزال بيت الحكمة يمثل رمزا للعصر الذهبي الإسلامي ودوره في الحفاظ على المعرفة وتطويرها. إنه يذكرنا بأهمية التبادل الثقافي، وقيمة المعرفة، وضرورة حماية التراث الإنساني من الدمار. قصة بيت الحكمة هي دعوة لنا جميعا لتقدير قيمة المكتبات، ليس فقط كمستودعات للكتب، بل كمنارات تضيء دروب التقدم البشري، وكمراكز تجمع العقول وتلهم الأجيال القادمة.
————————————
* رئيسة القسم الثقافي في “الدنيا نيوز”