مصلحة السلطة اللبنانية تقضي بوقف مسار التنازلات ووقف استجداء التفاوض وباستخدام أوراق القوة في يدها
كتب المحرر السياسي :
إن قراءة باردة للمشهد السياسي اليوم في ضوء المستجدات التي حصلت بعيد وقف اطلاق النار في ايران والتي كان من المفترض ان تشمل وقفاً كاملاً وشاملاً للنار في لبنان، تتيح الخروج بالخلاصات التالية:
– الخلاصة الاولى، إن شعور الرئيسين جوزف عون ونواف سلام بأنهما ليسا اصحاب قرار في موضوع وقف النار، وطلبهما المباشر من الإدارة الاميركية فصل المسار اللبناني عن الايراني بذريعة عدم تكريس لبنان كساحة ايرانية، اوقعهما واوقع معهما لبنان كله في ازمات كبرى، ليس أقلها المجازر التي وقعت يوم الاربعاء الاسود، والتي ادت الى استشهاد 357 شهيدا وسقوط 1127 جريحاً كلهم من المدنيين والاطفال والنساء في كل المناطق اللبنانية ومنهم من لا يزال تحت الانقاض حتى الساعة. كما جعل اللبنانيين في حالة فرز حاد ودفعهما باتجاه خيارات داخلية صعبة وخطرة لن يسلم منها البلد ولا أهله، في اي حال، فضلا عن ان الخيار الذي اعتمداه في التوجه الى مفاوضات مباشرة مع اسرائيل بضغوط منها ومن الادارة الاميركية، لكسر حاجز العلاقة مع العدو مجاناً، ومحاولة لفرض مسار سياسي يتجاوز الإنجازات التي كرّسها الميدان في جنوب لبنان.
الخلاصة الثانية، ان الخطيئة الكبرى التي اقترفتها السلطة المتمثلة بعون وسلام تتمثل في اصرارهما على تجاهل رأي غالبية اللبنانيين، بل في عدم احترام حتى مشاعر مئات الاف اللبنانيين ممن قتلت اسرائيل احباء وابناء لهم طيلة فترة الصراع الممتد منذ قيام الكيان حتى الان. وحتى عدم الاستماع لرأي فئة وازنة في البلد، تشكل بلا ريب الاكثرية المطلقة، فضلا عن ازدرائهما بأحكام الدستور اللبناني الذي يحرِّم ويجرِّم ويمنع الإقدام على خطوة المفاوضات المباشرة مع العدو الاسرائيلي، ببعديه القانوني والميثاقي، ويحظر مباشرة عدم جواز تفاوض أي جهة رسمية مع عدو يجرّمه القانون اللبناني، فضلا عن أن هكذا خطوة كبيرة تتطلب إجماعاً وطنياً ولا تحتمل قرارات أحادية او جزئية او فئوية، وبخاصة ان لبنان جرب سابقاً سلوك هذا الدرب، ولم يجنِ الا الخيبات والازمات والكوارث الداخلية والخارجية.
الخلاصة الثالثة تتجلى في عدم إنصات الرئيسين عون وسلام الى صوت العقل، ومصلحة لبنان التي تقضي بعدم العودة بتاتاً الى الوضع السابق الذي كان قد كرسه الاسرائيلي عبر تنكره للاتفاق الفعلي الذي جرى في 27 تشرين الثاني من العام 2024، وإملائه واقعاً جديداً بقوة النار جراء تراخي اركان الدولة وتنازلاتهم المتتالية وقراراتهم الملتبسة.
الخلاصة الرابعة ، ينبغي على السلطة السياسية الان ان تتعظ مما جرى في الماضي، وتدرك ان مصلحة لبنان واللبنانيين عموماً بأن أي كلام عن وقف إطلاق نار في هذه المرحلة يجب ان بكون مرتبطاً ارتباطاً أساسياً بالاتفاق الإيراني الأميركي الذي تضمن بشكل واضح ضرورة إطلاق النار في لبنان، كما يجب ان تدرك السلطة ان مصلحتها ومصلحة لبنان الاستفادة من ثبات محور المقاومة، والرهان عليه كأساس وورقة قوية تخولها التفاوض من موقع مختلف، خاصة بعدما أثبتت التجربة السابقة عقمها طوال خمسة عشر شهراً من الديبلوماسية، لا سيما وان رئيس الوزراء الاسرائيلي رفض التفاوض مع السلطة اللبنانية ولم يكترث لمطالباتها له بالتفاوض خلال فترة عدوانه الاخير على لبنان قبلها، وبالتالي فان هذه السلطة اللبنانية كانت خبرت بالملموس فشل كل مساراتها الدبلوماسية السابقة، كما خبرت فشل رهاناتها على الضغوط الأميركية والدولية وان كل. تلك المسارات التي سلكتها سابقاً لم تدفع باسرائيل إلا إلى المزيد من اعتداءاتها وتوغلها في الجرائم ، ما يستوجب من السلطة اللبنانية اعتماد مقاربة مختلفة حتى لا تكرر الأخطاء نفسها.
الخلاصة الخامسة، تتمثل في ان المسار التفاوضي المطروح بصيغته الحالية، هو مسار تنازل سياسي خطير وخطيئة كبرى تضاف إلى الخطايا التي ترقى الى مستوى الجريمة ، لا سيما وانه يأتي في توقيت متناقض مع مصلحة لبنان، بعد أن نجحت المقاومة وشعبها الأبي في تعطيل أهداف العدو ومنعه من فرض وقائع ميدانية جديدة.
الخلاصة السادسة، هي ان السلطة اللبنانية تغض النظر عن كل المخططات التي ينفذها يجاهر بها الاسرائيلي، من قبيل اعلانه إقامة منطقة عازلة عبر تدمير البيوت والمنشآت في الجنوب، علما ان ذلك في كل الاعراف الدولية والاجتماعية والسياسية والقانونية هو جريمة حرب بكل المقابيس وقد جاهرت بذلك منظمة حقوق الانسان الاممية “هيومن رايتس ووتش”، إضافة الى مجاهرة الاسرائيلي برميه للمبيدات السامة والفوسفور على الأراضي الزراعية لينهي كل حياة في الجنوب، وبدل أن ترفع السلطة الصوت عالياً في كل المحافل الدولية لوقف هذا الإجرام الصهيوني، وتتخذ الاجراءات القانونية اللازمة من خلال ورفع شكوى الى مجلس الأمن، هي لا تجيد إلا استجداء التفاوض مع العدو مجاناً.
في الخلاصة السابعة، على السلطة اللبنانية أن تعي جيدا ان مطالب لبنان السيادية تتمثل في وقف العدوان الشامل، والانسحاب الكامل من ارض لبنان، والإفراج عن الأسرى، وعودة الأهالي، وبدء إعادة الإعمار، وان تعتبر ان هذه النقاط الاساسية هي حقوق ضرورية للبنان واهله وليست مواضيع للتفاوض. وان ليس هناك من شيء يعطيه لبنان للعدو، وأي أمور أخرى هي شأن داخلي سيادي لا يحق لأحد التدخل فيها.