لُبنان بين “مِطرقة” الترتيبات الدولية و”سِندان” العقد السياسي … هل حان وقت “السينودس الوطني”؟

 

خاص – “الدنيا نيوز “

 

بقلم: العميد منذر الأيوبي*.

إلى حضن العاصمة الإيطالية روما انتقلت مفاوضات واشنطن رقم 6 ذلك على شبهة خفض حرارة التفاؤل او لأسباب لوجستية تقنية على ما يُعلن. في نفس الفترة يزور العاصمة الأميركية رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون للقاء الرئيس دونالد ترامب، بالتزامن مع عبور متسارع لقطار الترتيبات الإقليمية والدولية.. فيما لبنان يبحث عن نفسه ودوره وعن حماية كيانه الجغرافي وحفظ تركيبته السياسية والديموغرافية..

عليه يبرز سؤال بنيوي ملحّ في الداخل اللبناني: هل يملك لبنان “الركيزة السياسية” الداخلية القادرة على استيعاب هذه الترتيبات الدولية وتحويلها استقرارآ مستدام..؟
أم أننا نكرر خطأ الانتظار السلبي لتسويات تُسقط علينا من الخارج لتتحول الدولة بمؤسساتها مجرد “مُنفّذ” لخرائط لم تشارك في رسمها…؟
من هنا، تتبلور حاجة إنقاذية تتجاوز الصيغ الكلاسيكية لطاولات الحوار التقليدية التي أثبتت عقمها على مدى العقود الماضية؛ حاجة تتمثل في الدعوة إلى “سينودس سياسي وطني” يحاكي في عمقه المفهوم الكنسي الأصيل —أي “السير معاً”— لنقله إلى الحقل العام كمنصة للمصارحة والمصالحة وصياغة رؤية موحدة لـ “لبنان الغد”.

1- في الموائمة بين فرصة الخارج وورشة الداخل:
إن الربط بين الحراك الدبلوماسي الراهن والمسار اللبناني التفاوضي المستقل وفكرة “السينودس السياسي” ليس ترفاً فكرياً، بل بات ضرورة استراتيجية يفرضها التوقيت الحالي دون تأخير لسببين جوهريين:

أولاً: صياغة الرديف السياسي للأمن: المفاوضات الجارية في واشنطن وروما تتركز بالدرجة الأولى على الشقين العسكري والأمني —بسط سلطة الدولة، انتشار الجيش اللبناني، وضمانات الاستقرار على الحدود. لكن الأمن، مهما بلغت دقة ترتيباته، يبقى هيكلاً بلا روح إن لم يستند إلى استقرار سياسي ودستوري واقتصادي في الداخل. “السينودس” هو الأداة المؤهلة لترجمة الرافعة الأمنية الدولية إلى عقد سياسي متين.

ثانياً: تقوية الموقف السيادي: حين يتوجه رئيس الجمهورية إلى البيت الأبيض مستنداً على إطلاق ديناميكية حوارية داخلية جادة، تتشكل ملامح “كتلة وطنية حرجة” تبحث عن الإنقاذ، فإنه يتفاوض من موقع القائد لدولة حية تمتلك رؤية، وليس من موقع إدارة الأزمة في ساحة مستباحة.

2- الخروج من شرنقة “المحاصصة” إلى رحاب “الرؤية”
إن الخشية المشروعة تكمن دائماً في الشكوك المحيطة بمدى جاهزية الطبقة السياسية لتقديم تنازلات وجودية جوهرية لصالح الوطن الجامع. لذا يصبح نجاح أي “سينودس سياسي” اليوم مشروط بـالتالي:
21. توسيع النطاق: ألا يقتصر على أمراء الطوائف والقوى السياسية و الحزبية التقليدية، بل يضم النخب الفكرية، الاستراتيجية، القانونية، والاقتصادية.
22. شجاعة الطرح: وضع الملفات السيادية الكبرى —من استراتيجية دفاعية موحدة تحت كنف الدولة، واللامركزية الإدارية الموسعة، إلى إصلاح النظام الاقتصادي والمالي— على الطاولة بروحية “لا غالب ولا مغلوب”.
32. الارتباط بالقرارات الدولية: أن يهدف السينودس إلى تبيئة (Naturalization) القرارات الدولية والتفاهمات الراهنة ضمن الدستور اللبناني والميثاق الوطني، بما يحمي سيادة الدولة وصيغة العيش المشترك.

3- تقاطع دور الجيش مع “السينودس السياسي”
إذا كان “السينودس السياسي” المقترح يهدف إلى صياغة عقد وطني جديد ورؤية سياسية لبلد مستقر، فإن الجيش اللبناني هو الأداة التنفيذية التي تحمي طاولة هذا الحوار وتضمن تطبيق مخرجاته. اذ لا يمكن اجبار العدو بالفرض الاميركي على الانسحاب الشامل وتحقيق باقي المطالب بالكامل دون تفعيل إصلاح سياسي متزامن مع خلق بيئة آمنة وعادلة لجميع الشرائح الوطنية.

باختصار، الجيش اللبناني اليوم ليس مجرد قوة عسكرية، بل هو جسر العبور الذي ينقل لبنان من ضفة الفوضى والترتيبات المفروضة من الخارج، إلى ضفة الاستقرار السيادي المبني على مؤسسات الدولة الشرعية..

ختام القول؛ الدعوة ليست طوباوية.. إن لبنان اليوم ليس أمام ترف الوقت؛ فالقطار الدولي يسير، والترتيبات القادمة من واشنطن وروما ستفرض أمراً واقعاً عاجلاً أم آجلاً. إن إطلاق “سينودس سياسي وطني” بالتوازي مع هذه الزيارات والمفاوضات هو طوق النجاة الأخير لمنع تحلل ما تبقى من بنيان الدولة. لقد حان الوقت لينتقل اللبنانيون من مقاعد المتفرجين على مسرح القوى الدولية، إلى منصة القيادة الحقيقية لإنقاذ وطنهم، فالتاريخ لا يرحم الواقفين في قاعات الانتظار. ولعل تموز الشهر الذي يُكَرم فيه دم يسوع المسيح المقدس الذي سُفك من أجل خلاص البشرية شفاعة..!

——————————————

*عميد متقاعد كاتب.