لبنان على رقعة الشطرنج.. من يقرر حركة القطعة الأخيرة…؟

 

خاص – “الدنيا نيوز”

 

بقلم العميد منذر الأيوبي*

في حمأة القصف المتواصل ومشهد قوافل العابرين شهداءً إلى مثاوٍ، ومدنيين على مسالك هجرة وآلام نزوح؛ قد يكون من الضروري تجاوز الخيبة قليلآ لِألتقاط الأنفاس والنظر إلى الخارطة بهدوء التبصُر، فِعلُ لاعبِ شطرنج قبل تحريكه اولى البيادق.
عندها يمكن بتواضع رؤية ان ما يجري في المنطقة لم يعد مجرد ساحة قتال، بل شبكة توازنات قاسية، حيث تتحرك الدول ككتل جليدية في بحرٍ متجمد؛ بطيئة في الظاهر لكنها قادرة على سحق كل ما بينها.

في المنتصف الجغرافي يقف لبنان، دولة صغيرة فوق عقدة صراعات كبيرة. وعندما تتشابك مصالح إيران مع حسابات إسرائيل، وتَدخُل قوة عظمى مثل الولايات المتحدة إلى ميزان القوى، مع إكتفاء القطبين روسيا والصين مراقبة مجرى الأحداث دون تدخل مباشر، يصبح البلد أحد “مسارح الرسائل” القاتلة.

هنا تظهر حقيقة قاسية في علم الجيوبوليتيك: الدول الصغيرة الواقعة على خطوط التماس نادرًا ما تختار توقيت الحرب، لكنها غالبًا ما تدفع ثمنها. ما يدفعنا إلى طرح جملة من الأسئلة علّنا نُقارب بعض الإجابات:

أولًا: لماذا يتعرض لبنان لهذا الدمار…؟
في ظاهر الأمور، لأن الجبهة الجنوبية أصبحت جزءًا من معادلة الردع بين ايران وإسرائيل. فالأخيرة تريد إزالة أي تهديد صاروخي على حدودها الشمالية، بينما ترى إيران في هذه الجبهة إحدى أهم أوراق الضغط الإقليمية. النتيجة ان المواجهة الحالية تتجاوز حربًا تقليدية إلى تدميرية، يحاول فيها كل طرف اما الحفاظ على مكتسباته او تعزيزها، وبالتالي خفض الثقل النوعي لأحد طرفيه…

ثانيًا: ما الذي يريده كل طرف فعليًا…؟
إسرائيل تاريخيآ وسندآ لنصوصها التوراتية تسعى لدولة اليهود الكبرى، فيما تهدف مرحليا إلى إنهاء وجود حزب الله بالكامل في لحظة تعتبرها مؤاتية، وصولًا إلى تغيير الواقع الأمني والسياسي القائم. في المقابل تريد إيران الحفاظ على موقعها الجيوسياسي وشبكة نفوذها الإقليمية، بالتالي الحفاظ على احد اهم اوراقها. أما الولايات المتحدة فهدفها الأكبر منع حرب إقليمية شاملة قد تهز الخليج وأسواق الطاقة، بالتوازي محاولة فرض استسلام شامل، مع حماية حلفائها ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة، هكذا يجد لبنان نفسه وسط هذه المعادلة، أشبه بجسر تُقاتل الجيوش فوقه لتكون الخشية من انهياره.

ثالثًا: ما السيناريوهات الواقعية لمصير لبنان…؟
السيناريو الأول: يتمثل في حرب قصيرة لكنها مدمرة تنتهي بتفاهم دولي جديد، كما حدث مرات في تاريخ المنطقة، ما يعني على المستوى الوطني تعديل قواعد الاشتباك مع فرض ترتيبات أمنية جديدة في قطاع جنوب اللبناني بصورة خاصة.

السيناريو الثاني: هو حرب استنزاف طويلة منخفضة الوتيرة؛ قصف متبادل ودمار اقتصادي ونزفٌ بطيء للدولة. وهو غالبًا الأخطر لأنه يستهلك المجتمع والدولة معًا.

السيناريو الثالث: توسع الحرب إقليميًا. سندآ للحظة وجودية في تاريخ ايران عبر إشعال كافة الجبهات القائمة والملحوظة مسبقا؛
لتتحول المنطقة مسرح صراع أوسع، ينتهي بخاسر ومنتصر، وبالتالي يصبح لبنان ضمن مدار وهيمنة احدهما.

غير أن المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في المواجهة العسكرية بين المقاومة وجيش العدوان أو في التبدلات الجيوسياسية الممكنة، بل في السؤال السياسي والأساسي العميق: هل يستطيع لبنان بعد هذه الحرب أن يستعيد قرار الدولة الواحد…؟ أم سيبقى في الحال الراهنة ساحة تتقاطع عليها الاستراتيجيات الإقليمية…؟ هنا يتحدد المستقبل الحقيقي، سواءّ في شكل السلطة والسيادة كما في قدرة الدولة على اعادة بناء مقوماتها والإمساك بقرارها.

بالموازاة، تبقى العاطفة الوطنية تتجاوز الواقع العقلاني احيانآ، لتسرد مفارقة تاريخية تستحق التأمل. إذ مرّ لبنان بحروب كثيرة منذ عام 1975، وفي كل مرة كان يُعتقد أنه انتهى، لكنه بقي قائمًا. فالدول ليست جيوشًا وحدودًا فحسب، هي أيضًا مجتمعات تمتلك قدرة غريبة على البقاء. أحيانًا تشبه الحضارات الأعشاب التي تنمو بين شقوق الإسفلت وأحيانآ اخرى تندثر.

في المحصلة، الخرائط المشتعلة في هذا الشرق نادرآ ما تبقى كما هي. فكل حرب تعيد رسم خطوط ملموسة او غير مرئية “خطوط النفوذ، معادلات الردع، ونوعية التحالفات”. ما يجري اليوم لم يعد خافيًا أو مضمرًا؛ إنه بداية إعادة ترتيب كبيرة للمنطقة، وليس مجرد جولة قتال عابرة.

*عميد متقاعد، مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية