لبنان… السيادة بين النار والاقتصاد..!

بقلم العميد منذر الايوبي*
لم يعد الردع في العقد الأخير قائمآ على ترسانات السلاح المتطور أو التحالفات العسكرية التقليدية. أدوات القوة تغيّرت، ومعها شكل الصراع. العالم انتقل تدريجيًا من “ردع الفناء” القائم على التوازن النووي، إلى “ردع الاختناق” المرتكز على الاقتصاد، والتكنولوجيا، وحماية سلاسل الإمداد. بات القرار الأخطر ماليآ بإمتياز، من نوع العقوبات او الحصار التجاري. ضمن هذا السياق، تصبح الدولة المستهدفة المعتمدة على التدفقات الخارجية، والثقة المصرفية، أكثر عرضة للاهتزاز عند أي اضطراب دولي.
سياقآ، يعتبر لبنان الواقع جغرافيآ بين سوريا واسرائيل اكثر ارتباطآ بتوازنات إقليمية تشمل إيران ودول الخليج، إذ لم يكن يومًا دولة معزولة عن صراعات المحيط، ليضعه التحول في طبيعة الصراع بمواجهة ضغط مزدوج: أمنيًا عند كل تصعيد عسكري، واقتصاديًا مستمرًا في بيئة عقوبات متنوعة إضافةً إلى اضطرابات تعصف بدول الإقليم.
ثم ان الأزمة المالية التي انفجرت عام 2019 لم تكن وليدة عامل واحد. بل اتت نتاج نموذج اقتصادي ريعي طويل الأمد، صاغ نجاحآ وهميآ عبر تثبيت لسعر النقد الوطني استمر أكثر مما يحتمل، ليكون الرهان على إيفاء ديوان كانت تتراكم عامآ بعد عام فاشلآ، وساهم في ذلك ضعف البنية المؤسساتية واستشراء الفساد. إضافة إلى أن البيئة الإقليمية المتوترة التي سرّعت الانكشاف. ففي منظومة الردع الحديثة اليوم تكون الدولة ذات الاقتصاد غير المحصن أول من يتأثر.
في الحالة الراهنة، شكلت الاعتداءات الإسرائيلية اختبارًا إضافيًا لقدرة الدولة على الصمود. اذ ثبت على مر عقود — من الاجتياحات إلى حرب 2006 — عدم قدرتها على إسقاط لبنان ككيان، لكنها كشفت هشاشته البنيوية. فالضربات العسكرية المتتالية لم تصنع السقوط وحدها؛ بل هي ضاعفت أثر الضعف القائم. وعندما يكون الاقتصاد متصدعًا والمؤسسات مثقلة بالفساد والأزمات، تتحول أي مواجهة إلى عامل ضغط متراكم، لا مجرد حدث أمني او أزمة إقتصادية عابرة.
إقليميًا، على تداخل ملفات الطاقة في شرق المتوسط، وإعادة رسم ممرات التجارة الآسيوية المعبر الاقتصادي إلى العالم؛ فإن واشنطن- ترامب نجحت نسبيآ في فرض تغيير للتوازنات القائمة، الأمر الذي انعكس فورًا عجزآ في جذب الاستثمارات وتوطيد الثقة بنظامه في بلد محدود الموارد يحظى بإستقرار نسبي متقطع. هنا تبدّل مفهوم السيادة إذ لم يعد يعني فقط حماية الحدود ومواجهة العدوان وحفظ الامن الداخلي، بل كفاءة السعي لحماية النقد الوطني، والنظام المصرفي، والقدرة على تمويل الدولة بالتوازي مع رفع نسبة النمو . إذ ثبُتَ بما لا يقبل الجدل ان التصنيف الائتماني على سبيل المثال أخطر من إضطراب امني ولو محدودآ. وتجميد التدفق المالي أكثر تأثيرًا من بيان سياسي ناري، بالتالي اصبح الاقتصاد والمال الساحة السيادية بامتياز.
لكن قراءة الواقع ببرودة تفرض التفريق بين “المؤامرة الشاملة” و”تفاعل المصالح والضغوط”. لبنان ليس هدفًا منفردًا لخطة إسقاط متكاملة، لكنه متأثر بعمق الإشتباك الإقليمي القائم . ما يجعل اختراق بنيته العميقة نزهة تكتية في ظل دولة فاشلة، فغياب الإصلاحات البنيوية ونهج الفيتوات القائم على الإفشال المتبادل للمشاريع العامة من قبل أطراف الصراع الداخلي، جعل البلد أكثر قابلية للتأثر وربما الرضوخ. وعلى حقيقة النار تحتاج يباسآ كي تنتشر، فهو في الحالة اللبنانية مالي مؤسساتي وإقتصادي قبل أن يكون عسكريًا.
السؤال الجوهري اليوم ليس ما إذا كانت الضربات الحالية والتضييق المالي يشكلان واقعة السقوط..؟ بل ما إذا كانت الدولة تملك مناعة كافية لامتصاصهما. التاريخ يُظهر أن الدول قد تتعرض لاعتداءات وتبقى، إذا كانت بنيتها الداخلية قادرة على الصمود وبالتالي إعادة التوازن. أما حين تكون هذه البنية ضعيفة، فإن الصدمات المتكررة تتحول إلى مسار استنزاف طويل.
ختامآ؛ من الواضح ان العالم إنتقل من منطق التهديد بالفناء إلى منطق الاستنزاف البطيء. فالخطاب السيادي المُكرر يبقى حبرآ على ورق إن لم تَدعمه مؤسسات قادرة على السير بنهجه. في هذا المشهد، يصبح الإصلاح على الصعد كافة فعلًا استراتيجيًا لا تقنيًا، وبناء المناعة الداخلية شرط أساسي لحماية القرار الوطني وتثبيت السيادة قولآ وفعلآ. إذ ان جبهة المواجهة الإستراتيجية باتت تتقاطع فوقها خطوط النار وخطوط المال في آنٍ واحد..
*عميد متقاعد، مختص في الشؤون الأمنية والإستراتيجية